بقلم : خالد موسي دفع الله الأحد 02-03-2014 الساعة 11:16 م

أجراس الخطر والمسكوت عنه في الغزو الثقافي القادم (1)

خالد موسي دفع الله

فيلم ومشهد ومجلة. وضعت هذه الوسائط الثلاثة الإطار الدرامي لمعركة تدور في الخفاء بين الغرب وإفريقيا، لأن ما يهمس به أكثر مما يقال على الملأ.. تستخدم فيها جزرة الدبلوماسية الناعمة، وعصا الحرمان الغليظة من بذل المساعدات التنموية. ليست بسبب محاربة الجماعات الإرهابية، ولكنها معركة من نوع آخر وهي بين سلوكيات الحداثة والليبرالية الجديدة ومزاعم القيم الغربية، وبين التراث والقيم الحضارية لإفريقيا.

أما الفيلم فهو (بروانباك ماونتاين) وهو فيلم من الدراما الرومانسية للدفاع عن حقوق المثليين في العالم، أنتجته هوليوود في عام 2005 وأخرجه أنج لي، وأعيد تدشينه بداية هذا العام بصورة ثلاثية الأبعاد. أما المجلة فهي مجلة تايم الأمريكية وهي تضع في صورة غلافها عنوان بارز(أثيوبيا مقبرة المثليين). أما المشهد فهو لقاء النائب العام اليوغندي في برلين وهو يلتقي بنظيره الألماني في أكتوبر من العام الماضي. كان النائب العام اليوغندي يستمع مندهشا لأهمية أن تنفتح بلاده لحقوق المثليين حتي لا تخالف الميثاق العالمي لحقوق الإنسان.وفي حركة درامية أخرج النائب العام اليوغندي نسخة الإنجيل التي كان يحملها في حقيبته وقال لنظيره الألماني: أتؤمنون بهذا؟. فأومأ بالإيجاب. فقال له لا نجد ما تدعوننا إليه في هذا الكتاب.

لخصت افتتاحية صحيفة النيويورك تايمز الصادرة في 11 فبراير أبعاد هذه المعركة وقالت إن ما يتمتع به المثليون وما ينعمون به من حرية في الغرب، يقابله تضييقا واستهدافا غير مبرر ضد المثليين الأفارقة. وجاءت صرخة النيويورك تايمز عندما لمست توجهات قوية في البرلمانات الإفريقية لإصدار قوانين تجرم المثلية الجنسية. واتخذت من توقيع الرئيس النيجيري علي القانون في يناير من هذا العام الذي أصدره البرلمان في أبوجا ذريعة للاحتجاج، وقالت إنه يمثل تراجعا كبيرا لمسيرة الحرية في إفريقيا لأنه يجرم ويعاقب علي ممارسة الأنشطة والترويج للمثلية الجنسية ومثلية الهوية الثقافية. وفي هذا الصدد هاجم سفير واشنطون في بوركينا فاسو رئيس البلاد لأنه قاد الحملة ضد المثليين، كما أصدر وزير الخارجية الأمريكي جون كيري تصريحا ضد الرئيس الغامبي يحي جامع لأنه أنتقد المثليين وقال كيري إن واشنطون تشعر بالقلق من جراء هذا التصريح العدائي ضد المثليين من الرئيس الغامبي. ودعا ناشطون الوزير كيري إلى سحب سفيريه من بوركينا فاسو وغامبيا. ومورست ضغوطا عنيفة علي الرئيس السينغالي لإبطال التشريعات القانونية السائدة ضد المثليين والتي تعاقب بالسجن خمس سنوات، إلا أنه أكد أن قرارا كهذا سيواجه بغضب شعبي عارم ولن يستطيع أي سياسي دفع ثمنه أو مواجهة عواقبه. وحتي يكون لهذه التوجهات الإفريقية ثمنا اقتصاديا وسياسيا قالت منظمة العفو الدولية إن توجهات الدول الإفريقية في تجريم سلوك المثليين يحمل مخاطر اقتصادية ضد القارة لأن مناخ الاستثمار يبدو غير آمن وليس جاذبا للاستثمارات الأجنبية.

ولعل الصفعة أو الدهشة الكبرى جاءت إلى الغرب من تلقاء يوغندا التي تعتبر الحليف الاستراتيجي الأول للغرب في منطقة شرق ووسط إفريقيا، وظل موسيفيني يتمتع بثقة ودعم الغرب في كل مغامراته السياسية في الإقليم. إذ وقع الرئيس موسيفيني بعد طول ترقب وتوقع قبل أسبوعين في شهر فبراير الماضي القانون الذي أصدره البرلمان اليوغندي بتجريم ومعاقبة ممارسات المثليين وإشهارها والترويج لها. وقال تقرير خاص في وكالة الأسوشيتد برس إن موسيفيني تعرض لضغوط عنيفة عبر وسائل الدبلوماسية الخفية والهادئة والتي فشلت في وقف تصاعد إصدار تشريعات تجرم حرية المثليين حسب زعمها في إفريقيا. وقابل موسيفيني قبل شهر من توقيعه القانون مجموعة من الناشطين الأمريكيين وأنضم لهم عبر الهاتف القس الجنوب إفريقي ديزموند توتو لإثناء موسيفيني عن ذلك. وخرج موسيفيني حينها بمبررات لتأجيل النظر في أمر القانون حتي يطلع علي تقرير أعدته مجموعة مختارة من العلماء اليوغنديين والخبراء الدوليين لكشف ماهية وهوية هذه التوجه الجنساني والممارسة وهل هي مسألة جينية أم سلوكية؟.أي هل هي خلقية جينية أم سلوك مكتسب؟. وقرر موسيفيني أخيرا توقيع القانون رغم الوعود المعسولة التي بذلها لكل زائريه من الناشطين والسياسيين.وقال مبررا ذلك إن تقرير العلماء اليوغنديين أثبت أن هذه الممارسة تمثل مخاطرا جمة علي الصحة العامة في البلاد. في أول رد فعل أدانت الولايات المتحدة الخطوة التي اتخذتها يوغندا، وهددت بوقف العون السنوي البالغ 400 مليون دولار، كما أعلن البنك الدولي تجميد مساعدات للقطاع الصحي ب 90 مليون دولار. وفي ذات الاتجاه عبرت كل من هولندا والنرويج والسويد عن إدانتها ليوغندا وهددت بالنظر في وقف المساعدات التنموية. وقال تقرير صادر من منظمة العفو الدولية أن موسيفيني وقع علي القانون لأنه يريد إعادة ترشيح نفسه في الانتخابات القادمة مرة أخري، ويريد ضمانات المساندة السياسية من داخل حزبه وأعضاء برلمانه.

وفي استطلاع أجرته البي بي سي البريطانية الأسبوع الماضي قال طبيب يوغندي إن القانون الذي أصدره البرلمان يعني بالأمن الثقافي لبلاده، وقال آخر إن هذا القانون لتعزيز احترام التقاليد والإرث الإفريقي. وفي ذات البرنامج قال الدكتور جونثان مدير معهد دراسات ما وراء البحار بلندن إن قرار البنك الدولي لتجميد العون المقدم إلى يوغندا بمبلغ 90 مليون دولار يعتبر قرارا غير حكيم لأن الضرر يقع على المواطن لا الحكومة، كما أشار إلى أن الخلافات الثقافية لا تحل عبر الضغوط السياسية. وقال إن الغرب الذي كان يمثل أكبر منتهك لحقوق الإنسان قبل أقل من مئة عام أصبح الآن شرطيا دوليا وضميرا أخلاقيا لشعوب القارة الإفريقية.

توضح قاعدة البيانات التي تنشرها المنظمات الناشطة للدفاع عن حقوق المثليين أن 38 دولة في إفريقيا تحرم وتجرم هذا السلوك من أصل 54 دولة وكيان سياسي في إفريقيا. وأن هناك 76 دولة في العالم تتبني ذات الموقف. وفي الخارطة الملحقة في قاعدة البيانات يرد أسم السودان ضمن أربع دول في المنطقة توقع حكم الإعدام علي مرتكب الجريمة،وهي موريتانيا، السعودية وإيران بجانب السودان، أما بقية دول العالم العربي فتطبق عقوبة السجن. ولكن الأمر الأهم هو العناية والاهتمام بالضحايا الذين عانوا من تشوهات نفسية حادة جراء الاعتداءات والتحرشات التي تعرضوا لها في طفولتهم.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"