بقلم : رحاب شريف الثلاثاء 04-03-2014 الساعة 01:00 ص

قانون العطاء

رحاب شريف

يُحدثني أحد الاخوة المدربين، أنهُ منح سيارته القديمة " تويوتا كامري 2000" إلى أحد معارفه المحتاجين دون أي مقابل مادي، ودون تطلع لمقابل آخر، يقول: "إنني بعد أن أهديته هذه السيارة كانت لدي دورة تدريبية جماهيرية في التحفيز وتطوير المهارات، بعد انتهائي من الدورة تواصل معي أحد المتدربين يسألني أن كنتُ أرغب في بيع سيارتي الحالية " تويوتا لاندكروزر"، فأجبته:"نعم، أود بيعها" فأجاب إذا أنا المُشتري، فأخبرتهُ لم تسألني عن السعر فأجاب: "بأي سعر كان"، فمنحته سعرا مقاربا جدا للسعر الذي اشتريتُ فيه السيارة رغم استخدامي لها لسنوات، والغريب أنهُ قَبَلْ! اتفقنا على موعد لتسليم المبلغ ومن ثم تحويل السيارة باسمه، كانَ هناكَ على الموعد ينتظرني وفي يده ظرف يشمل المبلغ بالكامل، أخذته منه ومن ثم قلت لهُ لنتوجه للمرور لتحويل السيارة باسمك، فأجاب أنا الآن سأسافر لمدة ثلاثة أيام وحين أعود سوف استلمها منك. بانت على وجهي علامات الاستغراب ولكني قَبلت. مرت الثلاثة أيام ولم يتصل، فحاولت الاتصال به مراراً دون أن يُجيب، أجاب بعد محاولاتي المستمرة: " أخي في الحقيقة أنا لم أود شراء سيارتك، أنا وددت أن أمنحك هدية بطريقة غير مباشرة لأنك استطعت ومن خلال دورتك التدريبية تغيير حياتي بالكامل.. أفلا تستحق الهدية؟" يواصل: "لو منحتك الهدية بطريقة اعتيادية لم تكن لتتقبلها، الآن لديك قيمة السيارة والسيارة، تستطيع بيعها وشراء السيارة التي كنت تخطط لها " نيسان باترول"!

دون أن اتطرق لردة فعل المدرب حينها وسعادته وارتباكه، فإن المدرب هنا تذكر "تويوتا كامري" السيارة المستهلكة التي منحها لمن احتاج دون أن يستلم منه مليما، لقد منح أخونا المدرب "تويوتا كامري موديل 2000" ورزقه الله ب"نيسان باترول 2013"! هذا قانون العطاء الذي لا يفهمه كثير من الناس.

في كتاب "مع الناس" للشيخ علي الطنطاوي رحمه الله يذكر الشيخ قصة المرأة التي كان ولدها مسافراً، وكانت قد قعدت تأكل وليس أمامها إلا لقمة ادام وقطعة خبز قد وصلت فمها، فجاءها سائل فنزعت اللقمة من فمها وأعطته إياها وباتت جائعة. فلما جاء الولد من السفر جعل يحدثها بما رأى. قال: ومن أعجب أمري أنه لحقني أسد في الطريق، وكنت وحدي فهربت منه، فوثب علي فما شعرت إلا وقد صرت في فمه. وإذ برجل عليه ثياب بيض يظهر أمامي ويخلصني من الأسد ويقول: ’’لقمة بلقمة‘‘. ولم أفهم مراده. فسألته عن وقت الحادث وإذا هو في نفس اليوم الذي تصدقت به على الفقير. نزعت اللقمة من فمها لتتصدق بها فنزع الله ولدها من فم الأسد، إنه قانون العطاء..

ويذكر في كتابه قصة الشيخ سليم المسوتي رحمه الله فيقول:"قد كان شيخ أبي، وكان — على فقره — لا يرد سائلا قط، ولطالما لبس الجبة أو " الفروة " فلقي رجلا يرتجف من البرد فنزعها فدفعها إليه وعاد إلى البيت بالازار، وطالما أخذ السفرة من أمام عياله فأعطاها للسائل، وكان يوم في رمضان وقد وضعت المائدة انتظاراً للمدفع، فجاء سائل يقسم أنه وعياله بلا طعام، فابتغى الشيخ غفلة من امرأته وفتح له فأعطاه الطعام كله!، فلما رأت ذلك امرأته ولولت عليه وصاحت وأقسمت أنها لا تقعد عنده، وهو ساكت.. فلم تمر نصف ساعة حتى قرع الباب وجاء من يحمل الأطباق فيها ألوان الطعام والحلوى والفاكهة، فسألوا: ما الخبر؟، وإذا الخبر أن سعيد باشا شموين كان قد دعا بعض الكبار فاعتذروا، فغضب وحلف ألا يأكل أحد من الطعام وأمر بحمله كله إلى دار الشيخ سليم المسوتي، حينها قال لزوجته: أرأيت يا امرأة؟

قانون العطاء ذلك القانون الذي لا يفهمه إلا كبار النفوس وأصحاب النهى، القانون الذي ينص أن تمنح ما تتمنى لتنال أكثر مما تتمنى، أمنح دون أن تنتظر المقابل البتة، واعط عطاءك بتواضع وحب لا تواضع الترفع والاعتلاء لتكون ممن استجاب لأمر الله " وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ*" حينها فقط سوف يُغدق عليك بالعطاء الجزيل.

التعليقات2

تعليقات

  • أحمد عبدالسلام (بوشهد) 29/03/2014 17:29:15

    عندما تصفو النفوس البشرية وتتعلق بخالقها الذي يسري عنده قانون عطاء مختلف عما اعتاد عليه البشر حينها ندرك أن أي تعامل في هذه الدنيا وفق قانون العطاء الرباني فإننا لا نستطيع إدراك المعادلة التي بموجبها يدخل إنسان الجنة لأنه سقى كلباً يلهث

  • محمد اليافعي 06/03/2014 02:56:19

    لو كانت مقالات الصحف تكتب بهذه الطريقة الجميلة المشوقة لرأينا أمة إقرا تعود لتقرأ

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"