بقلم : خولة عقيل الأربعاء 05-03-2014 الساعة 02:15 ص

الـــمَـلافِــــــظ سَــــعَــــد

خولة عقيل

يُحكى أن ملكاً رأى رؤية في المنام أن كل أسنانه قد تكسرت فأتي بأحد المفسرين فقال له المفسر: هل أنت متأكد من الرؤية أيها الملك؟، فرد عليه الملك قائلاً: نعم، فجاء رد المفسر كالصاعقة: لاحول ولاقوة الا بالله إن تفسير حلمك هو أن كل أهلك سيموتون أمامك!

فغضب الملك، وسجن المفسر، وجاء بآخر وقص عليه نفس الحلم ،ليأتيه التفسير نفسه فغضب الملك مرة أخرى، ودسّ بالآخر في السجن أيضاً.

فأتى الملك بمفسر ثالث، وقصّ عليه الحلم، فما كان من المفسر إلا أن قال له: أمتأكد أنت من حلمك أيها الملك؟ فأجابه الملك بالإيجاب، فرد عليه المفسر فرحاً مسروراً وقال: مبروك مبروك أيها الملك، إن معنى حلمك أنك ستكون أطول أهلك عمراً، فقال له الملك: أمتأكد؟ فقال له المفسر: نعم ، ففرح الملك وأعطاه هدية!

إن تفسير المفسر الثالث لم يختلف عن تفسير المفسرين الأول والثاني، فلو أن الملك سيكون أطول أهله عمراً هذا يعني أنه سيكون آخر من سيموت من أهله وأنه حتماً سيشهد موتهم جميعاً، فالتفسيرين لهما نفس المعنى والنتيجة، ولكن الذي اختلف حقاً هو طريقة تركيب الكلمات وصياغتها والأسلوب التي قيلت فيه!

وكم مررنا بمثل هذه المواقف في حياتنا اليومية، وكم نلاحظ وفي كثير من الأوقات أننا نتقبل الكلام من البعض بكل صدر رحب، وننفر من كلام قيل لنا من البعض الآخر له المعنى نفسه، وعندما نفكر في السبب لم نجد غير اختلاف الأسلوب هو الذي أحدث هذا التغير الكبير في ردة فعلنا وتقبلنا لأي كلام يُوجه إلينا.

إن الأسلوب اللبق والمؤدب له تأثير كبير في نفوسنا، ولانستطيع أن نتقبله، ونجد أن أصحاب الكلام المهذب واللبق في حياتنا دائماً لكلامهم وقع مختلف في أنفسنا، حيث أن كلماتهم تدخل الى قلوبنا بسرعة ومباشرة، بعكس الأسلوب الغليظ والكلمات الجارحة لاتستطيع نفوسنا أن تتقبلها حتى وإن كان الكلام في محله!

إن هذا المثل المتداول بين الناس "الملافظ سعد" ليس مجرد مثل شعبي فحسب، بل هو مستنبط من ديننا الحنيف الذي أمرنا بترغيب الناس لاترهيبهم عند الدعوة، وكذلك القرآن الكريم قبل مئات السنين قد وجهنا وأدبنا ودعانا الى الللين في اللفظ وضرورة اختيار الكلمات الطيبة.

فرب العالمين يقول مخاطباً رسوله محمد صلى الله عليه وسلم في سورة آل عمران: "ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك" لنتأمل هذه الآية جيداً، النبي حبيب الله، سيد الخلق، المعصوم، الموحى إليه، لو كان غليظ القلب لانفض الناس عنه، فكيف بنا نحن بأخطائنا وعيوبنا وسلبياتنا!

وهذه الآية تعزز أهميه الكلمة الطيبة، وخفض جناح الرحمة للناس، والتودد إليهم، والتعامل معهم بلطف، واللين معهم، ليكون الانسان متقبلاً محبوباً مع من حوله.

و في السنة، أخبرنا حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم في حديث "كُلُّ سُلامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ حتى ذكر والكلمة الطيبة صدقة"

وهنا اشارة ودلالة الى ضرورة حسن الخلق والكلام الحسن مع الناس لما فيهما من الخير الكثير والأجر الوفير.

ويروي أبو هريرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث آخر أنه قال: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فليقل خيرا أو ليصمت"

وعندما نأتي الى تفسير هذا الحديث نجد أن هذة دعوة عظيمة اقترنت بشرط الايمان بالله واليوم الآخر تأمر بضرورة قول الخير وبالصمت عما عداه ، وهذا يدل على أنه ليس هناك كلام يستوي قوله والصمت عنه ، بل إما أن يكون خيرا ، فيكون مأمورا بقوله ، وإما أن يكون غير خير ، فيكون مأمورا بالصمت عنه.

ومن هنا نؤكد مرة أخرى على ضرورة انتقاء كلماتنا وضرورة التفكير في الكلمة قبل أن تخرج من أفواهنا وتسمعها آذان الناس وتستقر في نفوسهم، فكم من كلمة طيبة كان لها صدى كبيراً وآثاراً رائعة في القلوب، وكم من كلمة خبيثة خلقت العداوة والنفور بين الناس.

وكم هناك من أناس تستوطن محبتهم في قلوب غيرهم لكلامهم الطيب وحسن اختيارهم لألفاظهم، وكم هناك من بشر ينفر منهم الآخرون ويتحاشون الجلوس والحديث معهم لسوء انتقائهم لكلماتهم التي تكون كالسهام الجارحة في قلوب غيرهم.

انظروا مثلاً كم تسعد الزوجة عندما تسمع كلمة حانية من زوجها، وكم يسعد الموظف عندما يمتدحه مديره في العمل، وكم يسعد الوالدين من كلمات لطيفة من أبنائهم، وكم يسعد الأصدقاء بجميل الكلام بينهم.

فلننتقي جيداً كلماتنا ولنفكر فيما نقول قبل أن نتفوه بأي كلمة، ولنضع أنفسنا دوماً في مكان الشخص الذي سيسمع كلماتنا ،فإن قبلناها على أنفسنا لنقبلها على الآخرين، وإن لم نتقبلها على أنفسنا فلا داعي للتفوه بها، وصدق من قال " الملافظ سعد "،حقاً ان للكلمات سحر ومعجزات، فإن أحسنا اختيارها كم ستغير وستؤثر في قلوب الآخرين من حولنا، بل وستخلق لهم سعادة قد يظل أثرها طويلاً ولا يزول، فالإنسان دوماً في حاجة الى الكلمة الطيبة، مجرد كلمة أعزائي لاتُكلف الآخرين جهداً ولاوقتاً ولاحتى مال، ولكنها كفيلة بإدخال الفرحة والسرور على قلوب الناس، فتصدقوا بكلماتكم وثقوا أنها ستؤتي أكُلها بعد حين بإذن ربها.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"