بقلم : لويس حبيقة الأربعاء 12-03-2014 الساعة 01:04 ص

مستقبل النفط والحلم الخليجي

لويس حبيقة

لدول مجلس التعاون الخليجي موقع جغرافي مميز يجعلها نقطة وصل وتواصل بين العالمين الشرقي والغربي كما بين القارات. بالإضافة إليه، تنعم الدول بثروات طبيعية متفاوتة سمحت لها بتطوير اقتصاداتها وتحسين مستوى المعيشة استقطبت ملايين العمال والكفاءات من كل الاختصاصات وسمحت لهم بالعيش والعمل وتحويل الأموال إلى دول المنشأ.

طبقت الدول أنظمة حريات اقتصادية فاقت في خصائصها أهم الاقتصادات وأعرقها بمن فيهم البريطاني والأمريكي. أصبحت الدول الست مضرب مثل للنجاح الاقتصادي الباهر

في كل حال استثمرت الدول الخليجية جيدا وبسخاء في البنيتين التحتية والفوقية مما سمح لها بتحقيق مستوى معيشي مميز ورفاهية اجتماعية مرتفعة. في الواقع أحسنت توظيف الإيرادات النفطية في الاقتصادات، وهذا ما لم يحصل في مناطق ودول نفطية أخرى كليبيا وفينيزويلا والعراق وغيرهما.

حصلت الأزمة المالية العالمية في سنة 2008، فبقيت دول الخليج حية وناشطة اقتصاديا. لا يمكن إنكار التأثير العقاري على دبي كما على أسعار النفط ودرجات النمو، إنما لم تتأثر المنطقة كغيرها من المناطق الجغرافية العالمية. أصيبت دبي، لكنها تعافت بسرعة بفضل إدارتها الداخلية كما بفضل المساعدات التي أتتها من الإمارات الأخرى خاصة أبو ظبي.

ما هي الفرص بل الخصائص التي تجعل الحلم الخليجي يتحقق رغم العديد من الثغرات والمشاكل والعوائق الآنية، والتأخر غير المبرر في تحقيق الوحدة النقدية المتفق عليها منذ زمن بعيد؟

أولا: هنالك تغيرات كبيرة حصلت في الاقتصاد العالمي بعد سنة 2008 سمحت لمناطق جديدة بالظهور أكثر وتحقيق فعالية أفضل، منها دول الخليج العربية. الغرب انحدر خاصة الولايات المتحدة ودول الوحدة النقدية الأوروبية، كما تعزز دور آسيا الدولي ومجموعات الدول الناشئة من بينها خاصة الصين والهند. لم تعد الدول الغربية وحدها رائدة التقدم التكنولوجي العالمي بل أصبح لها شركاء جديين من العالمين الناشئ والنامي.

ثانيا: وعي حكومات الدول الست إلى ضرورة التنويع الاقتصادي خروجا من النفط ومشتقاته ومرورا بالعلوم والتكنولوجيا أو ما يعرف باقتصاد المعرفة. إذا كان التطوير الزراعي محدودا بسبب الطقس والأرض وإذا كانت الصناعة غير قابلة للتوسع بسبب التكلفة وعدم توافر اليد العاملة المتخصصة والمواد الأولية المختلفة، فالاستثمار في المعرفة والتربية والعلوم مربح خاصة على المدى البعيد.

ثالثا: استقبلت الدول الخليجية أعرق الجامعات مما سمح للطلاب العرب وليس الخليجيين فقط بالحصول على الشهادات الأفضل عالميا من المنطقة تحديدا. شكل هذا الواقع تخفيفا للهجرة التي كانت تحصل عندما يتعلم الإنسان في الغرب ويبقى للعمل فيه. استوردت الدول الخليجية أفضل الباحثين ومولت أعمالهم التي يستفيد منها العالم أجمع.

هنالك واقع نفطي مهم ومستجد يتلخص في الاكتشافات النفطية الجديدة بتقنيات متطورة أهمها في الولايات المتحدة حيث من المتوقع أن يتوقف استيراد النفط فيها قبل سنة 2017 وربما تصدر فيما بعد. هذا يعني أن الطلب على النفط العالمي سيخف وبالتالي تنخفض الأسعار مما يؤثر سلبا على الدول المنتجة والمصدرة وإيجابا على الدول المستهلكة. هذا يعني أن تأثير "الأوبيك" على الأسعار سيخف وبالتالي ستتغير الخريطة النفطية العالمية بشكل أساسي. هنالك واقع جديد إضافي مختلف، وهو ارتفاع الإنتاج النفطي الإفريقي من قبل 12 دولة تحديدا التي سترفع العرض العالمي قريبا وبالتالي تشكل ضغطا إضافيا سلبيا على الأسعار.

في كتابها عن دول مجلس التعاون الخليجي، تقول الكاتبة "كارولين بيكي" Piquet أن سياسة التنويع الاقتصادي هي من أهم السياسات المتبعة منذ زمن. تنوه بالنجاحات الكبيرة المحققة وتشير إلى ضرورة الاستمرار في تنفيذ الخطط الموضوعة حتى يتحقق الحلم الخليجي للسكان الأصليين كما للذين يعملون في تلك الدول. تحقيق الحلم الخليجي والاستمرار في النجاح يعتمد في رأينا على تحقيق الأمور التالية مجتمعة:

أولا: الاستمرار في عملية تنويع الإنتاج إذ تبقى الفرص كبيرة وهنالك قطاعات لم يتم الاهتمام بها ليس فقط في الزراعة والصناعة وإنما أيضا في كافة الخدمات. يجب الاهتمام أيضا بتوظيفات الصناديق السيادية في الاقتصادات الوطنية وفي العالم العربي عموما حيث العائد مرتفع، وبالتالي تشكل هذه الاستثمارات فرصا للنهوض الإقليمي. من مصلحة الدول الست النظر إلى المصالح على المدى البعيد وبالتالي الاستمرار في مشروع الوحدة النقدية وعدم الخوف من التجربة الأوروبية المختلفة جدا.

ثانيا: ضرورة تخفيف ثقل القطاع العام في الاقتصاد من ناحيتي العمالة والنشاط. يجب فتح الفرص أكثر أمام القطاع الخاص المحلي كما الأجنبي في الاستثمارات والتوظيفين المالي والبشري. يجب إدخال العمالة المحلية أكثر في الإنتاج وبالتالي التخفيف التدريجي للعمالة المستوردة في كل القطاعات الاقتصادية.

رابعا: التركيز على اقتصاد المعرفة جيد جدا ويجب الاستمرار به. يجب الاستفادة خاصة من المتخرجين المحليين من هذه الجامعات.

خامسا: الحفاظ على الحريات الاقتصادية مهما كان الثمن ضمن معايير الرقابة المعتمدة والمتغيرة دوليا.

سادسا: الاستمرار في تقديم الهبات للدول الفقيرة في العالم العربي أولا وخارجه ثانيا. لا تشكل هذه الأموال ثقلا كبيرا على الاقتصادات المانحة، إنما تشكل منافع كبيرة في تلك الحاصلة عليها وهذا هو الأهم.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"