بقلم : لويس حبيقة الأربعاء 19-03-2014 الساعة 12:45 ص

الإستراتيجية الروسية في أوكرانيا

لويس حبيقة

هنالك تواريخ مهمة غيرت وجه العالم وتؤثر بقوة على ما يجري اليوم. في 9\11\1989 سقط حائط برلين وبدأت وحدة ألمانيا كما انتهت عمليا الحرب الباردة. في 8\12\1991 انتهى الاتحاد السوفيتي وتحول إلى مجموعة من الدول المستقلة تتناحر وتتنازع فيما بينها. مات الاتحاد السوفيتي وعاشت روسيا. في 12\6\1991 انتخب "بوريس يلتسين" رئيسا لروسيا ويمكن اعتبار هذا التاريخ ولادة روسيا الحديثة التي نعرفها. تعتبر سنة 1992 تاريخ الطلاق الروسي الحقيقي والنهائي مع الشيوعية. في الواقع هنالك قائدان لروسيا الحديثة، أي ما بعد الشيوعية وما بعد الاتحاد السوفيتي وهما "بوريس يلتسين" و"فلاديمير بوتين". الأول ثبت انتهاء الشيوعية وفتح الاقتصاد على الحرية والمنافسة، والثاني حاول ويحاول إعادة روسيا إلى لعب الدور السياسي الاقتصادي الرئيسي العالمي. أتت مشكلة أوكرانيا لتعطيه الفرصة التي ينتظرها. المعلوم أن جمهورية القرم قدمت في سنة 1954 كهدية من روسيا إلى أوكرانيا في عهد "نيكيتا خروتشيف" ذي الأصول الأوكرانية. كانت هدية من منطقة إلى أخرى ضمن الدولة السوفيتية الواحدة. ما تحقق خلال الفترة السوفيتية يمكن أن يستعاد أو يتغير في الفترة اللاحقة المختلفة بل المعاكسة.

هنالك فكرتان كبيرتان حيرتا يلتسين وهما هل تعتبر روسيا دولة أوروبية؟ هل من مصلحة روسيا التحالف مع أوروبا أو مع الاتحاد السوفيتي أو مع الصين؟ أوروبا ليست جاهزة لاستيعاب روسيا لأسباب جغرافية وسياسية ومؤسساتية وتاريخية، وبالتالي احتار يلتسين بشأن توجهاته التحالفية. انتظر يلتسين الكثير من العالم الغربي الذي لم يعطه إلا القليل، ربما لإبقاء روسيا ضعيفة. هذا ليس عجيبا إذ إن الحرب الباردة والنزاعات المختلفة كانت حية في عقول وقلوب كل القادة الغربيين. طبق يلتسين النظام الاقتصادي الليبرالي بسرعة وقوة معتمدا على نصائح الاقتصادي "ايغور غايدار" الذي بدوره اتكل على مجموعة من المستشارين الغربيين الذين حولوا بسرعة روسيا من شيوعية اشتراكية إلى رأسمالية حرة.

توجه يلتسين إلى واشنطن في منتصف سنة 1992 لبحث مشروع اتفاقية بشأن الأسلحة START2 وصولا إلى التوقيع عليها في 3\1\1993. لم تصبح الاتفاقية فاعلة ونافذة إلا بعد 7 سنوات بسبب السياسة والنزاعات والمصالح والتقصير المتعمد في معظم الأحيان. بدأ من سنة 1993، قوى يلتسين علاقاته مع الغرب وانضمت روسيا إلى مجموعة الدول الثماني الكبرى وتحقق الكثير من التعاون مع حلف شمال الأطلسي. توطدت العلاقات مع المؤسسات الدولية وفي طليعتها صندوق النقد. في الحقيقة لم يبق لروسيا من عظمتها السابقة إلا مقعدها في مجلس الأمن الذي يعطيها حق الفيتو على مشاريع القرارات، والذي مارسته مرارا مؤخرا. قبل يلتسين في البدء تحول العالم من سيطرة جبارين كبار إلى سيطرة قوة واحدة هي الولايات المتحدة وتصرف على هذا الأساس. فيما بعد وبسبب النتائج السياسية خاصة الاقتصادية، حاول يلتسين توسيع تحالفاته، فوقع مع الصين اتفاقية في سنة 1996 بحيث يشكل التحالف الروسي الصيني منافسا جديا لأمريكا. تأسست "مجموعة شانغهاي" التي ضمت بالإضافة إلى روسيا والصين دولا آسيوية مجاورة وفي مقدمها كازاخستان. في الواقع لم تكن الصين راغبة جديا في منافسة أمريكا، إذ تفضل أن تتحضر أكثر للمنافسة القادمة حتما. أما روسيا، فهي غير قادرة على المنافسة بعد زوال الاتحاد السوفيتي.

رغم توجهه نحو الصين، كان يلتسين يعتقد أن مصلحة روسيا هي مع الولايات المتحدة ليس فقط في السياسة وإنما خاصة في الاقتصاد والتكنولوجيا، إلا أن أمريكا لم تكن متجاوبة خاصة غير متحمسة. أتت أزمة 1997 الآسيوية التي امتدت إلى روسيا، فانهار الروبل وتعثرت الأوضاع المالية والاقتصادية. يمكن وصف الفترة الرئاسية الثانية ليلتسين بالكارثية ليس فقط بسبب سياساته، بل لأن الأوضاع الخارجية لم تكن مواتية.

في 26\3\2000 انتخب بوتين رئيسا لروسيا من الدورة الأولى مع 52.9% من الأصوات. انتخب لتغيير سياسة يلتسين ويعيد العظمة والقوة إلى روسيا. مشروع السيطرة الروسية الجديد بدأ مع بوتين الذي انتخب وجدد له لتنفيذه وهو يحاول فعل ذلك.

تقول الكاتبة المتخصصة "هيلين كارير دونكوس" D’Encausse في كتابها عن روسيا إن التجربة الروسية مع يلتسين أقنعت الصين أن النموذج الروسي للإصلاح والتغيير ليس النظام الأفضل وبالتالي يجب النظر في بدائل. تجربة بوتين تعتبر أفضل في نظر الروس الذين يريدون أن تكون دولتهم عظمى. قال بوتين "إن انفراط الدولة السوفيتية هي أكبر كارثة سياسية في العالم في القرن العشرين". اعتبر أن روسيا هي "القوة العظمى الفقيرة" وبالتالي يريد إعادة الدور التاريخي، بل جعل روسيا دولة نموذجية للقرن الواحد والعشرين. ما هي التحديات الأساسية التي واجهها ويواجهها بوتين والتي تقف حتى اليوم أمام طموحاته؟

أولا: التطور السكاني الذي لا يلبي طموحات دولة ترغب في بسط نفوذها السياسي والعسكري، ليس فقط إقليميا بل ربما دوليا. في سنة 1970 بلغ عدد سكان الاتحاد السوفيتي 242 مليون نسمة. أما اليوم وبعد انفراط عقد الاتحاد وضعف مؤشرات الإنجاب، لا يبلغ عدد الروس أكثر من 142 مليون مقابل 320 مليون شخص في الولايات المتحدة. حاول بوتين التعويض عن الخسارة السكانية بالتطوير والتجديد التكنولوجيين .

ثانيا: مشاكل اجتماعية في الداخل وخارج الحدود تؤثر على وحدة وانسجام السكان فيما بينهم. هنالك أديان ومذاهب وأعراق مختلفة تحاول الإدارة الروسية وضعها جميعها وراء المشروع السياسي الكبير الذي تمارسه فيما يخص سوريا وأوكرانيا وغيرهما من الدول.

ثالثا: الفوضى الاقتصادية الموروثة من يلتسين والمتأثرة بالأوضاع الدولية المتقلبة، يهدف بوتين منذ الانتهاء من فترة الفوضى الاقتصادية إلى إعادة القوة السياسية والعسكرية لروسيا، وما هي قضية "القرم" إلا نموذج لما يمكن أن يحصل مستقبلا. تعتبر روسيا دولة أوكرانيا منطقة نفوذ لها. يمكن تشبيه هذا النفوذ بالشعور الأمريكي تجاه المكسيك وكوبا وأي دولة أمريكية لاتينية. لا شك أن الغرب خاصة أمريكا أخطأ في التعامل مع الروس خاصة في فترة يلتسين مما أسهم في تأييد الروس لسياسات بوتين الهجومية. لا يمكن إنكار الصدمات السلبية التي واجهتها روسيا من الغرب بدأ بحروب الخليج وثم بالنزاعات العربية والآسيوية. نعيش اليوم حكما في ظروف دولية مختلفة عن السابق.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"