بقلم : غانم المعاضيد الخميس 27-03-2014 الساعة 01:45 ص

وضع المنطقة الراهن وأمنها لا يحتملان التناقض في القرارات والمبادئ

غانم المعاضيد

إن ما تشهده دول مجلس التعاون من حالة توتر في علاقاتها الثنائية يشكل هاجساً كبيراً لدى شعوب تلك الدول وحكوماتها.

هُنا من ينتظر أن تعود المياه إلى مجاريها وهناك من يخطط ليصطاد في الماءِ العكر. بغض النظر عن أسباب الخلاف.

السؤال: أتظن الدول الثلاث التي سحبت سفراءها من قطر أنهم بذلك الفعل سوف يحلون مشكلاتهم مع الدوحة؟

الجواب، طبعا لا!! وإنما هذا عمل يفهم المراد منه: كسر شوكة بلد مجاور يتمتع بنفوذ سياسي قوي، وله ثقل عالمي لما حققه من شعبيه ونجاحات. إذ باتت قطر تنصر المظلوم، وتجبر كسور الأمة، وتسعف المحتاج، وتدعم اقتصادات كادت تنهار من أزمة عالمية خانقة. فقد أصبح لقطر صيتٌ عالميٌ مدوٍ في شتى الميادين، فمن اليوم لا يعرف قطر؟! أو لنصيغ السؤال بشكلٍ آخر: "من كان يعرف قطر قبل 15 عاماً"؟!... والحقيقة أن صورة قطر اليوم المنعكسة في عقول الناس، كعملاق اقتصادي، سياسي وإعلامي، برهنت أن الدول لا تُقاس بحجمها الجغرافي وإنما بتأثيرها وحجم أعمالها، وقوتها الاقتصادية وبعلاقاتها الدولية. إذ باتت السياسة الخارجية القطرية منذ عقد من الزمن اليد العليا في حمل هموم الأمة، ولا نزكيها على أحد إلا أنه واقعٌ قد فرض نفسه.

فهل يعقل لشقيقات قطر أن تتبع أسلوب التهديد العلني لتنصاع لأمرٍ هي لا تؤمن به؟!

إذاً لم يراد بذلك حل الأزمة "بل كسر شوكة قطــر".

ويذكرنا هذا النهج والمتبع من قبل الدول الثلاث بمعاهدة فرساي، والتي كانت سبباً رئيسياً في نشوب الحرب العالمية الثانية، حيث إن الألمان شعروا بالإهانة بسبب قسوة الشروط التي فرضت عليهم.

إن مثل هذا الموقف اليوم اتجاه قطر لا يظهر حسن النية، بل نستشعر النزعة الانتقامية فيه. وقد يجرنا تصعيد الموقف إلى توسيع رقعة الصراع الأيديولوجي والطائفي في المنطقة والتي قد تتطور إلى حربٍ أيديولوجية باردة والعياذ بالله.

وإذا ما افترضنا جدلاً أن تلك الدول الثلاث صعَّدت موقفها ضد قطر - حسب تهديداتها - وقامت بإغلاق المنافذ وغيرها..! فهل سيلقى هذا القرار ترحيب وتأييد شعوبها وعلمائها؟! وهل سيسكت هؤلاء على الضرر الذي سيلحق بأهلهم وأقاربهم في قطر؟! أم تناست حكومات تلك الدول أن علاقات القربى والرحم بين شعوب المنطقة متجذرة للعمق الذي لا يمكن لقرارٍ سياسي أن يفصمه بسهولة!..

إذاً ستكون النتيجة هي أن شعوب المنطقة ستأخذ موقفاً مغايراً لحكوماتها، وكذلك سيكون الحال لبقية العرب والمسلمين، كما سيكون للرأي العام العالمي موقفه أيضاً. وسندخل دوامة من الصراع والعداء بسبب قرارات متسرعة عدائية.

الرد القطري على سحب السفراء كان السكوت، والذي هو في هذا الموقف أبلغ من الكلام.

ولذلك الموقف قاعدة قرآنية حيث إنه لما اعتدى قابيل على هابيل وصفهم الكتاب في قوله تعالى في سورة (المائدة): "لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين ( 28 ) إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين ( 30 )".

إذا المعتدي هنا هو الخاسر الأكبر.

وتدل المؤشرات أن هذه الدول الخليجية الثلاث سوف تخسر خسارة كبيرة وأهمها فيما يلي:

- ستفقد تلك الحكومات تأييد شريحة كبيرة من شعوبها والتي لن ترتضي بالتفكك، خصوصا في ظل ما تمر به المنطقة من أزمات وعليه ستكون هناك معارضة - لا يستهان بها - مناهضة للسياسة الخارجية الضعيفة لتلك الدول الثلاث.. "خلقوا معارضة جديدة لأنفسهم"!!

- سوف تظهر تلك الدول بصورة الطغاة المحاربين للحريات وعدم احترام الرأي الآخر وبالتالي سينقلب الرأي العام العالمي ضدها.

- سوف تخسر تلك الدول جانباً كبيراً من مصداقيتها فهي إن حاربت حلفاءها المقربين والتي تجمعهم بهم روابط دينية وأخوية وعرقية ذات جذور تاريخية عميقة.. فكيف بها مع حلفائها الآخرين؟!

- حتما ستكون هناك تداعيات وخسائر اقتصادية، فكلما زاد حجم الضرر التي تنوي تلك الدول ارتكابه كلما زادت خسائرها.

- سوف تفتح تلك الدول الثلاث منافذ للطامعين والمخربين ولن تستطيع حين إذٍ السيطرة على وضعها الداخلي إذا اشتدت الأزمات وحمي الوطيس.

كيف نطفئ فتيل الفتنة قبل فوات الأوان؟

أرى هنا أن أفضل الطرق وأقلها خسائر، هي ما يعرف في علم السياسة الخارجية بـ" تعاون يخسر فيه الطرفان"

lose to - lose cooperation، وفيها يتنازل كلا الطرفين عن مطالب سياسية يتقدم بها الآخر، بوجود وسيط يضمن الالتزام. ويعلن عن ذلك الاتفاق ليتم حفظ كرامة كل دولة. وهذا النهج استخدمته أمريكا مع الاتحاد السوفيتي للحد من سباق التسلح حيث اتفق الطرفين على تدمير ترسانات أسلحة بهدف عدم الإفراط في القوة". SALT1 & SALT2"

علما بأنه في كل الأحوال لن تنحل هذه الأزمة إلا بخسائر وإن استمرت سوف تكبر خسائرها مثل النار تأكل في الحطب ويزداد حجمها ومثل هذه النار حتماً ستجد من يزيد إضرامها وستكون فرصته التي لن يحلم بأفضل منها. والبادئ هنا - ودون أدنى شك - هو الخاسر الأكبر، وإنني لأجزم بأن العواقب ستكون وخيمة على تلك الدول، فالمسألة ليست سحب سفراء فحسب بل هي أكبر من ذلك بكثير.

الجدير بالذكر أن إحدى الدول الثلاث كانت هي من بادرت بإطلاق فكرة الوحدة الخليجية والتي لاقت في حينها ترحيباً وتأييداً من الناس، الذين ارتأوا في تلك الوحدة درعهم الواقية وحصنهم الحصين للوقوف أمام الأزمات التي قد تمر بها المنطقة.. وإذ بتلك الدولة تقلب الطاولة وتكون هي المبادرة في اتخاذ قرارات تكرس الفرقة والشتات!!. والحقيقة أن وضع المنطقة الراهن وأمنها لا يحتمل هذا التناقض في القرارات والمبادئ.. فمن شأن ذلك أن يجر المنطقة إلى الهاوية، والتي سيندم عليها الجميع أولاها تلك الدول.

يجب أن ندرك تماماً أن رياح التغير آتية وعلينا مواكبتها كي لا تكون "ريح صرصر عاتية" وإن لم تكن رياح التغيير فإنها تداعيات الربيع العربي. ونحن هنا نزيد الطين بلة، عوضاً عن الاستعداد لمواجهة ذلك التغيير ومواكبته.. ولم كل ذلك؟!.

دول الخليج تعتبر العمود الفقري للأمة الإسلامية والسند الذي تعوِّل عليه كل الشعوب الإسلامية لا شعوب المنطقة فحسب. فما بالنا نتضعضع ونتصادم لتذهب ريحنا. فلم نعرف قط أن جيشاً في قلب المعركة تصارعت أجنحته وفرقه إلا وكانت نهايته الحتمية بيده لا بيد عمرو، وكان عدوه هو المنتصر وبلا متاعب أو خسائر، أوليس هذا هو حالنا اليوم؟!.

و خلاصة القول هنا أننا يجب أن نبادر بالتغيير قبل أن يبادرنا أو قبل أن يفرض علينا.

كي نتمكن من التغيير علينا أن نفكر خارج الصندوق " thinking out of the box " ونمشي عكس التيار، لابد أن نفكر في غير المألوف.

"المنطقة تمر بحرب أيديولوجية شعواء، التوجه فيها بأن البقاء سيكون للأيديولوجية الأقوى، وذلك سيكون حتماً بعد أن يعم الدمار الشامل على المنطقة".

أود أن أنوه فيما يتعلق بصدام الأيديولوجيات وانطلاق الثورات بأنه كانت هناك نظريات فلسفية حول أسباب قيام الثورة بشكل عام. وبما معناها: تقوم الثورة ضد حكومة ينظر لها شعبها أنها مستبدة فيعتنق شريحة كبيرة من الشعب أيديولوجية جديدة بهدف التغيير السياسي. تكون الثورة بين إيديولوجيتين مختلفتين لكلٍ من الحكومة والشعب. فإذا أعتنق الشعب أكثر من أيديولوجية تتحول الثورة إلى حرب أهلية.( كما حدث في حرب لبنان 1975 بين الطوائف اللبنانية) وفي الرسم البياني للخط السياسي للأيديولوجيات، لتوضيح كيف يكون النظام السياسي متعارض أو متحد:

في الرسم البياني رقم (1) المستطيلات الستة تمثل مواقع لتوجه أيديولوجي لأحزاب سياسية. المستطيل رقم واحد أقصى اليمين ورقم ستة أقصى اليسار. فلو كانت أيديولوجية الحكومة أقصى اليمين وأيديولوجية الشعب أقصى اليسار فهذا مؤشر أن الشعب سوف يثور على الحكومة، وإذا كانت الأحزاب السياسية متفرقة على اليمين وعلى اليسار كما هي الصورة البيانية رقم (1) فهذا مؤشر على اندلاع حرب أهلية.

الرسم البياني رقم (2) جميع الأحزاب السياسية متجهة نحو الوسط وهذا هو التوجه الصحيح، هذا يعني أن الجميع متفقون على الأسس السياسية وهناك اختلاف بسيط في وجهات النظر وهذا يدل على الأمن والاستقرار وعمل الحكومة بصورة سليمة.

وعليه يجب على الأحزاب الدينية في الوطن العربي أن تتجه نحو الوسط ويكون اختلافها اختلاف رحمة للأمة لا نقمة عليها كما هو الحال بين المذاهب الأربعة ( الشافعي- المالكي - الحنفي والحنبلي)

إذاً.. كيف لنا التوجه نحو الوسط؟

القائد.. يشكل القائد العنصر الأساسي في قيام الثورة واحتضانها وإنهائها.

ذكر الفيلسوف كارل ماركس أن الشعب سوف يثور على النظام الرأس مالي لوحده، بشكل تلقائي ولم يحدث ذلك. فتوصل بعدها الماركسيون إلى أنه أهم عنصر في قيام الثورة هو القائد وأن الثورة لا تشتعل إلا من خلال قائد (وتم تشبيهه بعود الثقاب الذي لا تشتعل النار إلا به) ولا شك أن من أهم قادة الثورات التي امتدت من الأيديولوجية الماركسية هما لينين ( الثورة الروسية) وماو تسي تونغ (الثورة الصينية).

استنتاجاً من ذلك لابد من وجود قائد ليأخذ العرب نحو الوحدة نحو الوسطية نحو الأمن والاستقرار.

دعونا نستذكر التاريخ إذ خرجت الدول الأوروبية من أزمة الحرب العالمية الثانية، من خلال خطتي ودز ومارشل " Woods plan & Marshall plan" والتي تم من خلالهما تم ضخ مليارات الدولارات من قبل أمريكا لمساعدة دول أوروبا " دون مقابل" وإنشاء البنك الدولي وحلف النيتو بالإضافة إلى إنشاء الأمم المتحدة بعد فشل عصبة الأمم. كل تلك الأمور ساعدت في إعادة إعمار أوروبا الغربية وإنقاذها من التحول إلى دول شيوعية بسبب اقتصاداتها المنهارة.

وبالتالي من أجل إعادة إعمار دول الوطن العربي لا بد من وضع خطة إستراتيجية: سياسية أيديولوجية، اقتصادية، وعسكرية.

أولاً: إستراتيجية سياسية أيديولوجية

كي نتمكن من وضع هذه الإستراتيجية لابد أن نؤمن بالتغير "التجديد" وأود أن أستطرد مشيرا إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: "يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل ومن قلة نحن يومئذ قال بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن فقال قائل يا رسول الله وما الوهن قال حب الدنيا وكراهية الموت".

نعم وضع المسلمين اليوم كغثاء السيل، فإن السيل ماء جاري والماء الجاري يتجدد ويتغير والغثاء راكد. فإدارتنا قياداتنا مؤسساتنا في ركود كبير بسبب الطريقة الروتينية التي تدار بها منذ عقود من الزمان.

يقول روبرت كوين في كتابة "Deep Change": يجب وبشكل مستمر تختار بين التغيير أو الموت البطيء" ويضيف: "أن العمل الروتيني للمنظمة يقودها نحو التسوس والركود".

اليوم وطننا العربي سقط على ركبتيه فإذا أردنا النهوض من جديد، والالتحام لتعود قوتنا فلا بد من توحيد كلمة الأمة "مليار ونصف مسلم" حتى لا نكون كغثاء السيل، فيجب خلق مركز يتفق علية الجميع، وهذا المركز يجب أن يكون منفصلا بقراراته محايد لا يمثل بلد أو طائفة أو حزب بل يمثل الأمــــــــة. وفيما يلي فكرة مبدئية:

لابد أن ندرك أن الوحدة والاتفاق لن يتحققا إلا إذا اتبعنا السياسة متعددة الأطراف للبت في شؤوننا من أجل حل أزماتنا، وأمثل طريقة هي:

تأسيس "منظمة الأمة الإسلامية".

تكون منظمة تشبه منظمة الأمم المتحدة بشكل كبير، بحيث يتم اختيار منطقة لتصبح عاصمة للمنظمة الأمة الإسلامية، وتقوم الدول التعامل مع تلك المنظمة من خلال مندوبين دائمين، ويتم فتح مكاتب تمثيلية للدول الأعضاء.

لتضم عاصمة المنظمة الإسلامية برلماناً إسلامياً ومكاتب لكبار علماء الأمة ومحاكم شرعية وكل ما يتعلق بالشريعة....الخ.

يتم انتخاب رئيس لمنظمة الأمة الإسلامية من خلال رؤساء الدول وعلماء المسلمين وشعوب الأمة.

يقوم رئيس المنظمة مقام خليفة المسلمين، حيث تكون كلمته في شؤون الأمة الإسلامية مسموعة ومطاعة من كل مسلم، بل طاعته واجبة.

تبقى حكومات الدول على ما هي عليه والشؤون الدينية تترك لرئيس المنظمة الإسلامية. ويتم التعامل مع الدول عبر القنوات الدبلوماسية.

حصيلة ذلك ستكون احتضان المليشيات التي يدمر بعضها بعضاً وإيقاف وصف دول إسلامية وأحزاب إسلامية سياسية بالإرهاب، ووقف الصراعات بين الجماعات الإسلامية، وتترك جميع الخلافات لهذه المنظمة ورئيسها.

ثانياً: الإستراتيجية الاقتصادية

تأسيس بيت مال للمسلمين "بنك الأمة" تضخ فيه جميع أموال الزكاة، الصدقات، التبرعات أموال الأوقاف، بالإضافة إلى مساهمات من الدول الأعضاء.

يقوم ذلك البنك على إنعاش اقتصادات الدول بشكل عام ودعم كل فرد فقير بشكل خاص، دون مقابل. بحيث يعمل البنك من خلال لجان اقتصادية تضع خططا استثمارية تدير الأموال من خلالها.

ثالثاً: الإستراتيجية العسكرية

تأسيس جيش يحمي الدول الأعضاء ويكون كفيل بفض النزاعات لتحقيق الأمن والسلام للدول الأعضاء. بحيث يتحرك ذلك الجيش بناء على قرارات رئيس المنظمة الإسلامية.

تكون لذلك الجيش قواعد عسكرية في جميع أرجاء الوطن العربي والإسلامي، وبالتالي ينضم لذلك الجيش جميع الميلشيات التي تتصارع اليوم.

وفي الختام أود أن أشير إلى أن تعريف السياسة هو أن تقنع الطرف الآخر لفعل ما تريد إما بالتي هي أحسن عبر القنوات الدبلوماسية، أو بالقوة من خلال القوة العسكرية. ونمط السياسة الدولية المتبع اليوم هو كما سطره الفيلسوف ميكيافيلي فهو وللأسف أبو السياسة العصرية صاحب نظرية الغاية تبرر الوسيلة. ويقول ميكيافيلي في كتابه الأمير: "من بين الشرور الناجمة عن نزع السلاح، جعلك مهانا؛ التي تعد واحدة من تلك الأشياء المشينة التي على الأمير الاحتراس منها" أوليس ذاك هو حال الوطن العربي؟! ألا يعتبر وطننا العربي اليوم منزوع السلاح؟!.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"