بقلم : رحاب شريف الأربعاء 02-04-2014 الساعة 01:56 ص

معافى في جسده

رحاب شريف

يعيش المرء في حياته سلسلة من المراحل المتلونة، فأحيانا تكون بيضاء نقية، وأحيانا وردية جميلة، تارة تكون حمراء شهية، وتارة أخرى تكون شفافة رقراقة، وللأسف بعضها تكون سوداء دامسة. يعيش كل الناس هذه المراحل المتلونة بغض النظر عن أجناسهم وأعمارهم وديانتهم وألوانهم، وكوني من سائر الناس، فقد مررت بجميع ما سلف من الألوان.

مازلت أذكر أنه في عام 2006 مررت بمحنة شعرت فيها بأن الدنيا قد ضاقت بي رغم رحابتها، وأن الألوان قد اضمحلت وما بقي أمامي غير السواد، دموعي كانت تحرق وجناتي في تلك اللحظات، في تلك اللحظات قررت قرارا غير مدروس، أن أذهب مع بعض من صحبتي إلى المستشفى لزيارة المرضى هناك، مرضى السرطان تحديدا، وهكذا فعلنا، اشترينا بعض الورود المرفقة ببطاقات عليها عبارات إيجابية خصصنا لكل مريض زنبقة حمراء وكتبنا على البطاقة: "إذا رأيت الحبل يشتد ويشتد فاعلم أن الحبل سوف ينقطع وإذا رأيت الصحراء تمتد وتمتد فاعلم أن خلفها رياضا خضراء وارفة الظلال، إن بعد الدمعة بسمة وأفضل العبادة انتظار الفرج"، عبارات اقتبسناها من كتاب لا تحزن للدكتور عايض القرني.

توجهنا إلى المستشفى، الطابق المخصص لمرضى السرطان تحديدا، وبدأت الزيارة هناك بالسلام على المريض وأهله - إن كان هناك أحد منهم – ومن ثم مجالسته بروح إيجابية، وفي الأخير تسليمه هذه الزنبقة الحمراء شريطة أن يقرأ ما هو مكتوب على البطاقة بصوت مسموع، لقد ذهبت إلى هناك وأنا أتقلب بين الوجع والألم ولكنني خرجت من هناك وأنا أبتسم وبكامل قوتي وإيماني، فتحولت المرحلة من اللون الأسود الحالك إلى اللون الأبيض النقي، الأمر الذي جعلني استهين بمصائب الدنيا وهمومها جميعها وأحول الدمعة بسمة والوجع إلى رضا فقط لأني أملك العافية.

صديقتي تحدثني عن جارتها التي أصابها المرض ذاته، فتصفها بأنها غدت بلا شعر، ولا أهداب ولا حاجبين! تضيف أن بشرتها البيضاء الوردية أضحت سمراء داكنة من أثر "الكيماوي"، وتحولت من فتاة محبة للحياة إلى منعزلة تماما لا تقبل الزيارة، خجلة مما وصل إليه شكلها، ولا داعي أن أنقل لكم كيف تراجعت صحتها النفسية.

يتألم البعض لأنه فقد وظيفته، ولا يعلم أن هناك وظيفة أروع من ذي قبل في انتظاره، يبكي البعض لأنه خسر حبيبته، ولا يدري بأن خلف ذلك الخير الكثير، يتحسر البعض لأن تجارته قد بارت ولا يدري بأن القادم أفضل مما مضى وانجلى، يتنهد البعض في وفاة قريب، ولا يدري أن في الصبر الأجر العظيم، يحترق البعض لأنه لم يستطع شراء السيارة الذي يحلم بها، أو أن يسكن في بيت رحب فسيح، وتتحسر الفتاة بأنها لا تملك من الجمال ما تملكه صاحبتها، أو تلبس ما تلبسه من "الماركات"، ولا يدرين جميعا أن من يملك العافية فقد ملك الدنيا وما فيها.

حينها أدركت أن من ملك العافية لا يحق له أن يطول حزنه، فكل شيء يهون حينما تكون معافى في جسدك، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: "من أصبح منكم آمناً في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها".

التعليقات1

تعليقات

  • محمد الكردي 19/06/2014 12:35:59

    راي هام وجيد

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"