بقلم : أ.د. إبراهيم أبو محمد الجمعة 04-04-2014 الساعة 12:16 ص

أيها الأمير الشاب.. نحن أحق بالزعامة منك

أ.د. إبراهيم أبو محمد

بعض النظم في بلادنا عندما تستبد بها الغيرة، تلجأ لطرق قديمة بلهاء في الكيد لجارتها.

الدافع وراء هذا الكيد هو الغيرة من كل نجاح يتحقق وكل إنجاز يتم، وكلما اتسعت دوائر النجاح والتأثير لذلك البلد كلما زادت وتضاعفت محاولة النيل منه بقصد الحد من تأثيره.

مبررات الغيرة هنا أنهم يرون ذلك البلد الناجح قليلا في عدد سكانه، محدودا في مساحته الجغرافية، لكن تأثيره أكبر، وحضوره الإقليمي والعالمي أوسع، وحساباته في تقدير المواقف أحد وأدق، وأكثر سرعة وذكاء، وأشد وضوحا وشجاعة، فتتحرك عوامل الغيرة لديهم ويتساءلون في أنفسهم: كيف يكون لذلك البلد الصغير موقع القيادة والتأثير والحضور والفاعلية ونحن أحق بالزعامة منه.

ألسنا أكثر أموالا وأولادا وأعز نفرا؟

أليست مساحة أرضنا تفوق مساحتهم بعشرات المرات؟

فلماذا هم يسبقوننا في مجال التأثير عشرات المرات؟

ولماذا يحظون بكل التقدير وثناء الدنيا؟

ولماذا يكون الصدح بالحقيقة عندهم وحدهم؟

لماذا يكون الخبر موثقا والحقيقة مؤكدة عندما تصدر منهم؟

لماذا يتمتع إعلامهم بأعلى درجات المصداقية، بينما ما يصدر عن إعلامنا لا تثق فيه الشعوب ولا يصدقه أحد وأغلب الشعوب تسخر منه؟

لماذا كل ما يصدر عنهم يكون موضع ثقة الآخرين ومتضمنا لكل شروط صدق الرواية وسلامة التوثيق؟

وهكذا يدور سؤال الغيرة الذي يولد سؤال الأزمة، أنى يكون له القيادة والتأثير والفاعلية علينا ونحن الأكثر عددا والأوسع أرضا، والأسبق تاريخا....؟

وربما يجد المتأمل في سؤال الغيرة المسكوت عنه مدخلا لمعرفة ظواهر الأزمة، وتحليل أسبابها ودوافعها.

وربما يصل بتحليل الحسابات أن وراء ذلك السؤال الأبله لدى أصحابه أنهم يعتمدون في تقييم الدول بعدد السكان ومساحة الأرض جغرافيا فقط، ومن ثم لا تخضع حساباتهم إلا لتحليل الكم العددي وحده، ولا تضع في اعتباراتها عوامل الكفاءة والاقتدار وتراكم الخبرات وتجارب السنين وقدرة الناس على استيعاب تلك التجارب والإفادة منها.

كما لا تتعرض بالتحليل لشرف الهدف وسمو القصد ونبل الغاية التي تلتقي فيها رؤية أصحاب الفكر والثقافة برؤية أصحاب القرار في رسم السياسة لدولة حديثة يلتحم فيها شعب بقيادته، ويتساند فيها الحكمة بالمصلحة، والحرية بالعدل وكرامة الإنسان.

وعي الإحاطة بالصورة من كل الأبعاد غائب ومُغَطى، غَيَّبَته الغيرة، وغطته الرغبة في التفرد بالزعامة التى قد تدفع بأصحابها أن يلجأوا إلى محاولات عزلة الطرف الآخر.

المنطق الخاطئ يصور لأصحابه أن عزل قوة الطرف الآخر عن الحضور والتأثير والفاعلية يمكن أن يتم بحماقة القرارات، وأن قطع العلاقات يمكن أن يخيف قطر أو يثنيها عن المضي قدما فيما آمنت به ورأته ضرورة الواقع وطموح المنى لشعوب المنطقة.

بعد آخر أسهم في سوء الفهم وربما في سوء النية أيضا، وهوالتناقض في اختلاف مفهوم أمن المنطقة التى تفردت به قطر وتميزت عما عداها حيث تراه قطر في تأمين حرية الشعوب وحماية كرامتها وتحقيق العدالة بين أبنائها ومن ثم فأمن شعوب المنطقة كما تراه قطر يكمن في ممارسة الناس لحرياتهم وفتح كل الأبواب والنوافذ للتعرف على رغبات الشعوب من خلال إعلام حر يناقش كل القضايا بغير حظر أو حساسيات، ويقدم كل الآراء والتحاليل بغية الوصول إلى تحقيق أعلى مستويات الوعي والممارسة الديموقراطية وتأمين حرية الشعوب وضمان كرامتها وتحويلها من قطيع يساق بالقهر والدكتاتورية إلى شريك في القرار، وصاحب الحق الأصيل في اختيار حكامه واختيار نموذج الحكم الذي يرتضيه .

وعلى العكس من ذلك تماما ترى دول الجوار، فأمن المنطقة في نظرهم هو أمن الأنظمة في تأمين وجودها واستمراره بلا اعتراضات أو منغصات أو مطالب شعبية، ومن ثم فلديها مشكلة مع الديموقراطية، وترى أنها تمثل خطرا يهدد وجودها واستمرارها، وقد تعاونت مع كل النظم الغربية واستجابت لا لرغباتها فقط، وإنما بالغت حتى في تحقيق أحلامها وأمانيها لتثبت أن الدكتاتوريات يمكنها أن تشكل الكنز والخادم والحارث لمصالح الغرب، ولذلك شكلت حلفا لإفشال أي تجربة ديموقراطية في المنطقة، ووقفت بجانب الانقلابات وحاصرت تجربة الشعوب في نضالها لنيل حريتها وكرامتها لأنها تخشى من انتقال التجربة إليها.

مفهوم قطر للأمن بهذه الرؤية من غير شك أنه يفتح الباب أمام شعوب المنطقة للمطالبة بحقوقها المسلوبة، من هنا تكون خطورة النموذج القطري على غيره من النظم.

من هنا أيضا كان الدافع وراء قرار قطع العلاقات وسحب السفراء وهو القرار الذي لم يأخذ في الاعتبار أن الشعوب بوعيها الفطري أمة واحدة وأنه لا يمكن لقرار أهوج يصدر في ساعة من ساعات الصغار والسعار وما أكثرها في حياة البعض، لا يمكن لمثل هذا القرار أن يقسم الشعوب أو يفصل بين وجدانها أو أن يشعرها إلا بما تشعر به عند هبوب سحابة صيف تأتي في غير موعدها لا تلبث أن تنقشع وتزول، وأن الشعوب تستطيع التمييز وفرز المواقف، وأنها تجلس على كرسي المراقب وتنظر مقدرة ومؤمنة ومثمنة في ناحية، بينما تنظر منكسرة تعلوها الحسرة وتعتصرها خيبة الأمل في قيادات ظنت يوما أنهم على شيء، وأن شيئا ذا بال يمكن أن يعود منهم على أوطاننا، فإذا بهم يضيعون كل شيء، ويتاجرون بكل شيء، ويراهنون بكل قواهم وبكل مقدرات شعوبهم ليكونوا خدما وموالي وعبيدا لمن ليسوا من دين الله ولا من العروبة على شيء .

في المقابل تحلت الدبلوماسية القطرية بالحكمة والمنطق والبصيرة والأناة، وأدركت بوعيها أن وحدة الشعوب لا تمزقها حماقات السياسة وطيش الحكم البائس، خاصة في تلك المنطقة التي تتشابك فيها القبائل وتتداخل العائلات بعلاقات الأصل والمصاهرة والنسب، وربما يتشارك ويتوزع أبناء القبيلة الواحدة فيها على أكثر من بلد وتتوزع على أكثر من منطقة.

قطر برصيد وعيها تدرك الفارق بين أمن الحاكم وأمن الدولة، فالحاكم ليس هو الدولة؛ الدولة شعب ومؤسسات وعقد اجتماعي يقوم على العدالة والحرية واحترام كرامة الناس، وما الحاكم إلا أمين عليها وخادم لها وحارس لمصالحها ومنفذ لإرادتها، ومن ثم فالحاكم فيها ليس دكتاتورا يحكم بما يرى ويتصرف بغير ضوابط أو روابط أو حدود، وينظر إلى رعيته نظرة استعلاء وفوقية وكأنه من جنس آخر غير أجناسهم، أو كأنهم قطيع من الغنم يعلفهم متى شاء، ويحلبهم متى شاء ويذبح منهم متى شاء، وعصاه دائماً جاهزة لكل شاة شاردة.

قطر لا تنظر لشعبها ولا لشعوب المنطقة هذه النظرة الاستعلائية التي تجاوزها الزمان والمكان والناس (ثقافة وفكرا وتحررا وإدراكا)، ومن ثم انحازت بقياداتها السابقة واللاحقة لجماهير الشعوب وبسطت نفوذها وسيطرتها على القلوب والمشاعر بمواقفها، ولم تعتمد السيطرة على منابع الثراء والثروة لتضمن ولاء الناس بالسيطرة على أرزاقهم ومنعهم من أبسط حقوقهم والمنة عليهم بمنحهم مساحة لبيت يسكنون فيه حيث تصبح الأرض وما عليها ومن عليها ملكا لواحد فقط هو الحاكم وحاشيته.

قطر نظرت إلى الأمور بوعي المرحلة فتحول الحاكم فيها إلى سيد مطاع لا بين عبيد ورعايا، وإنما بين سادة أتباع هم شركاء له في الثروة والوطنية والوطن، وهم سند له في اتخاذ القرار الأكثر حكمة والأعلى قدرا وكرامة، والأقرب إلى نبض الشعوب المتطلعة إلى الحرية والعدالة.

في النموذج القطري كانت المواقف الثابتة التي كشفت بوضح وفي أكثر من أزمة انحياز الدولة في قطر حاكما وشعبا ومؤسسات لصالح قضايا الحرية والعدالة وكرامة الشعوب ووضوح الرؤية تجاه الأهداف الكبرى للأمة وثبات المواقف مع وضوح الرؤية منح مؤسسة القرار في قطر رصيدا ضخما في الثبات على المبدأ ومقاومة الضغوط مهما كانت، كما أنها وسعت دوائر القبول التأييد لزعامة شابة عرفت طريقها بوضوح، وقررت أن تنتصر لما تبقى في الوطن من كرامة، ولما تبقى للمواطن من ولاء وانتماء.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"