بقلم : خالد المحمود الأربعاء 30-04-2014 الساعة 01:28 ص

الإمارات والجيدة.. الفضلُ والحقُّ والنُّصْرة

خالد المحمود

لدولة الإمارات العربية المتحدة عليّ فضلٌ لا يمكنني إنكاره إلا لو كنتُ جاحداً. وأزعم أنني، وللهِ الحمدُ والمِنّة، لستُ بجاحد.

ففي إمارة "أبو ظبي" كانت مشاركتي الخارجية الأولى في مهرجان الشعر والقصة القصيرة الخليجي للشباب، وذلك عام 1993. فكانت تلك الخطوة الأولى لي في عالم الشعر الرحب، وقد كان قدرها أن تبدأ في الإمارات.

وفي الإمارات كذلك، تمكنت من استكمال كلمات مسرحيتي الثانية "في غيابت الجبّ" وذلك بعد فترة من الإغلاق، منعتني من مواصلة النصّ حالما انتهيت من كتابة المشهد الأول، لتحصل بعدها على جائزة أفضل نصٍّ مسرحيّ في المسابقة الأدبية الخاصة بفعالية (الدوحة: عاصمة الثقافة العربية 2010).

أمّا إمارة دبيّ، فالحديث عنها يطول، إذ إنّ الحفاوة والدعم والتقدير كانوا العنوان الأبرز.

فهناك كانت مشاركتي السينمائية الأولى بفيلمي البكر "إرهاب – سياحة" عام 2008، وهو الفيلم الذي وضع قدمي في عالم السينما كاتباً ومنتجاً ومخرجاً.

وتوالت بعدها استضافتي صحفياً لتغطية فعاليات مهرجان الخليج السينمائي لعدة دورات، فضلاً عن إشراك ذلك الفيلم في مهرجان دبي السينمائي الدولي في ذات العام.

ثمّ جاءت المشاركة الأخيرة بدخول نصّ فيلمي الثاني "المصلوب" إلى سوق السيناريو، حيث تمّت مناقشته ومن ثمّ تحسينه بمشاركة خبراء سينمائيين من الوطن العربي، كان على رأسهم المخرج الكبير محمد خان. وفضلاً عن تجويد النصّ، فإنّ ذلك كله تُوّج بتمويل برنامج "إنجاز" للفيلم بميزانيةٍ تُمكّنني من إنتاجه. ورغمَ أنني اضطررت مؤخراً للاعتذار عن قبول ذلك الدعم، لسببٍ سيتعرف عليه القارئ بعد هنيهة، فيبقى الواجب إثبات أنّي لم أجد ما يقابل بعض ذلك الكرم في بلدي سواء من ناحية التقدير المهنيّ أو الدعم الماديّ.

* * *

بيد أنّ الحقّ يبقى أحقّ بالاتباع، مهما كان عِظم الفضل.

والحقّ الذي أعنيه، هو إنكار ما كان من هذه الدولة الحبيبة من اعتقالٍ وتعذيبٍ وامتهانٍ وظلمٍ بيّنٍ في حقِّ الأخ الكريم الدكتور محمود الجيدة، والذي حُكم عليه مؤخّراً بالسجن لسبع سنوات مع الأشغال الشاقّة غير قابلة للاستئناف، وهو الحكم الذي جاء بعد عامٍ كامل من الاعتقال بتهمة التواطؤ مع جماعة الإخوان المسلمين، المحظورة في الإمارات، وإمدادها بالمال. وكان الدكتور قد تعرّض خلالها لأنواعٍ من التعذيب والإهانة وانتهاك حقوقه الآدمية.

ولعله ليس خافياً على المتابع للمشهد السياسي في الإمارات النهج المختلف الذي طرأ على السياسة الأمنية تجاه التجمع الإخوانيّ في الداخل الإماراتيّ، والذي كانت حالة اعتقال ومحاكمة الدكتور الجيدة واحدة من إفرازاته الأخيرة.

ولست هنا في مقام مقاضاة ذلك التجمّع الإخوانيّ الإماراتي المتهم بمحاولة إسقاط نظام الحكم، أو موقف مؤسسات الإمارات الأمنية تجاهه.

ولكنّ الذي يعنيني بصفتي مسلماً عربياً ومواطناً قطرياً وأخيراً وليس آخراً أحد معارف الدكتور الجيدة، فكّ الله قيده، وَهُمْ كُثرٌ، النهاية المؤسفة التي آلت إليها تلك السياسة الأمنية عبر المحاكمة القبيحة التي عدمت أبسط معاني العدالة والحقّ والإنصاف. فثمة فرقٌ شاسع بين مقاضاة من أساء وفَرْضِ العقوبة عليه بقدر جُرمه، دون زيادة أو نقصان، وبين إدانة إنسان وتعذيبه والحكم عليه في الخفاء دون أنْ يمتلك حتى حقّ الاستئناف للطعن في حكم البشر عليه!

وإذا كان بالإمكان فهم التوجّس الإماراتيّ أمنياً من جماعة الإخوان، التي باتت ضمن قائمة جماعات الإرهاب مؤخراً، (أقول فَهْم وليس تفهّم) فإن ما يصعب فهمه هو إقحام شخص من خارج الدولة ليكون أحد أطراف المعادلة، وهو الذي مرّ على البلاد مرور الكرام. إذ كان بوسع الجهات الأمنية إصدار قرارٍ يمنعُ دخوله البلاد، مثلما حدث مع كثيرين غيره من المنتسبين أو حتى المتعاطفين مع الحركة الإسلامية الأمّ في مصر. فلقد بدأت تلك "السنّة الأمنية" مع الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله، عندما مُنع من دخول البلاد حينما كانت قناة "أبو ظبي" تستضيفه كل سبتٍ في برنامجٍ موازٍ لبرنامجه المعروف "الشريعة والحياة" على "الجزيرة". وهو منعٌ لم يجد الشيخ، ولا من حاول التدخل لحلّ أزمة توقيفه في المطار، سبباً واضحاً له، إذ اقتصر على تبريره بأنه ممنوعٌ "لأسباب أمنية".

أما إذا كان المقصود من ذلك كله ربط مواطنٍ قطريٍّ تحديداً بعمل يمكن تفسيره على أنه محاولة لتغيير أو حتى الإساءة لنظام حكم الدولة الخليجية الشقيقة، فذلك شأنٌ له حسابات أخرى، لأنّ محمود الجيدة عندها سيكون مجرد كبش فداء يحتمل تلك التبعة.

* * *

السؤال الواجبُ إجابته هو: ما العمل؟!

أول ما نحتاجُه لعمل ما يفيد هو الإقرار أنّ مواجهة الأصدقاء أشدّ على النفس من مواجهة الأعداء، فكيف الأمر وهُم إخوانٌ تربطنا بهم قرابة الدم والمصاهرة والنسب، فضلاً عن الدين والعروبة والمروءة.

والواجب علينا، نحن الشعوب، حقّ النصّرة لإخواننا إن كانوا ظالمين أو مظلومين. وقد عَلّمنا المصطفى صلى الله عليه وسلم أن نُصرة الأخ الظالم تكون بمَنعه عنْ ظلمِه.

وإنّ من صور منع الأخ الظالم عن الظلم مقاطعتُه وإشعارُه بسوء فعلته ونبذها من قبل بقية المؤمنين. وهو أمرٌ يكون بمقاطعة دولة الإمارات بشكل شعبيّ، أي دون أن نتوقع أو حتى نطالب دولتنا به. وذلك بالامتناع عن السفر إليها للسياحة أو التبضّع، والامتناع عن المشاركة في كافة الفعاليات الرسمية وغير الرسمية. ولست أعني القطريين وحدَهم في الأمر، بل كلّ من يناصر الحقّ من الشعوب الحرّة.

ولقد عَلّمنا الباري سبحانه أنّ المعتدين من بني إسرائيل لُعنوا على لسان بعض أنبيائهم الكرام لأنّهم {كَانُوا لا يَتَنَاهَونَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ}، وهو ما بيّته النبيّ الكريم بأنّ أحدَهم كان يرى صاحبَه على المعصية فيأمرُه وينهاه، ثم لا يمنعُه ذلك {أنْ يكونَ أكِيلَهُ وشَريبَهُ وقَعيدَهُ}. بمعنى أن إنكار المنكر باللسان ليس كافياً ما دام الإنكار باليد، أو بالمقاطعة الفعلية، وارداً. وهذا يعني أن رفعنا صور محمود الجيدة على موقع (فيس بوك) فحسب ليس مما يغيّر واقعاً أو يرفع بلاءً.

وأملنا بذلك أن تصل رسالة واضحة إلى قادة الإمارات الحبيبة أنّ الظلم عاقبته وخيمة في الدنيا قبل الآخرة، وأنّ الرجوع إلى الحقّ خيرٌ من التمادي في الباطل.

التعليقات1

تعليقات

  • محمد الباكر 30/04/2014 11:17:25

    جزاك الله خير على المقال ووقفتك المعتاده مع اخوانك

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"