بقلم : خالد وليد محمود الجمعة 16-05-2014 الساعة 12:56 ص

إسرائيل إذ تتجسس على أمريكا!

خالد وليد محمود

ثمة الكثير من المراقبين على اختلاف معتقداتهم وتوجهاتهم الأيديولوجية يجدون أنفسهم أسرى لحالة من الحيرة حيال خط العلاقة بين تل أبيب وواشنطن، رغم تعرّض الأخيرة لصفعات متتالية من السياسات الإسرائيلية ورضاها على الخروقات المتكررة التي تحدثها رغم خطورتها على أمنها القومي وسمعتها العالمية!

الكل يعرف أن ثمة روابط استراتيجية ورعاية مصالح مشتركة تختصر شكل العلاقة بين أمريكا وإسرائيل؛ والكل يعرف أن إسرائيل سعت دومًا لاستغلال تغلغل اللوبي الصهيوني في مفاصل الدولة الأمريكية لتنفيذ أعمال تجسسية وسرقات تكنولوجية وعسكرية واستغلال شخصيات سياسية نافذة لتحقيق أهدافها دون رادع أو قيد أو خوف من تصدع العلاقة مع واشنطن، أو حتى مراعاة للمصالح الأمريكية على الأقل! هذا الأمر يستحق التساؤل حول سبب رضا واشنطن عن الخروقات المتكررة التي تحدثها إسرائيل رغم خطورتها على أمنها القومي؟!

خلال الأيام القليلة الماضية تناقلت وسائل إعلام أمريكية و دولية قيام جهاز الاستخبارات الإسرائيلي بالتجسس على الولايات المتحدة الأمريكية على مدى عشرات السنوات، والأنباء تشير عن تكتم واشنطن على هذه التصرفات! وهو الأمر الذي دفع مسؤولين في الاستخبارات الأمريكية للتعبير عن بالغ قلقهم أمام الكونغرس من حجم التجسس الذي وفق قولهم "تجاوز الخطوط الحمراء". مجلة "نيوزويك" الأميركية كشفت عن معارضة أجهزة الاستخبارات الأميركية لإعفاء الإسرائيليين من الحصول على تأشيرة لدخول الولايات المتحدة، بسبب أعمال التجسس التي تمارسها الاستخبارات الإسرائيلية داخل البلاد. وذكرت المجلة أن مطالعات سرية قدمها مسؤولون أمنيون أمام لجان في الكونغرس، تضمنت انتقادات حادة ضد إسرائيل، التي "تستغل علاقات الصداقة بين الدولتين وتتجسس على نحو واسع على الأراضي الأمريكية". كما رأوا أن "الأصدقاء الإسرائيليين ساروا شوطًا بعيدًا في أعمال التجسس، بشكل مضر ومخيف، ويدفع الأمريكان أن يصحو من نومهم!". إسرائيل حاولت أن تنفي بشدة الاتهامات التي ساقتها أطراف أمريكية مسؤولة بأنها تتجسس عليها. هذا النفي ليس إلا جزءاً من سياسة الكذب "الإسرائيلية" المعهودة . وبدا المضحك هو رد فعل القيادات الإسرائيلية على خبر التجسس بقولهم أنه "جرى توجيه رسالة شديدة اللهجة إلى الإدارة الأمريكية ضد ما ورد في التقرير، الذي "تفوح منه رائحة معاداة السامية"!

الجدير ذكره أن قضايا التجسس التي مارستها أجهزة المخابرات الإسرائيلية ضد الأهداف الاستراتيجية الأمريكية وشخصيات ومؤسسات حساسة كثيرة جدًا ولا مجال لذكرها هنا؛ فتاريخ التجسس "الإسرائيلي" على الولايات المتحدة موثق، وأنصع دليل هو قضية الجاسوس "الإسرائيلي" بولارد الذي نقل الآلاف من الوثائق الأمريكية وبالذات عن البلدان العربية إلى إسرائيل، وحكم عليه بالسجن المؤبد. حتى إنها نجحت في تجنيد اليهود الأمريكيين للعمل لحسابها مستغلة نفوذهم في مختلف المفاصل الرئيسية في الولايات المتحدة رغم أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي تعامل معاملة خاصة من قبل أمريكا، وتحصل على مساعدات تصل بالمليارات اقتصاديا واستراتيجيا وعسكريا، وفوق هذا وذاك دعم سياسي لا محدود أضر بمصالح واشنطن في منطقة الشرق الأوسط وسمعتها الدولية وتراجع مصداقيتها الأمر الذي جعل العلاقة الأمريكية – الإسرائيلية حالة خاصة لم يسبق لها مثيل في تاريخ العلاقات بين الدول.

يحاول بعض الكتاب الإسرائيليين مثل" وولف بليتزر" في كتابة "ساحة الأكاذيب" أن يبرر ويجد وجاهة لعمليات التجسس الإسرائيلية، مشيرًا إلى أن هناك نوعين من التجسس: الأول هو التجسس بين الأصدقاء، والثاني التجسس الخسيس الذي يجند له العملاء وتدفع الأموال مقابل الحصول على المعلومات. وإذا كان النوع الأول يتم بوسائل فنية مكشوفة أو عبر الملحقين العسكريين بالسفارات، وهو ما يفعله الجميع، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل اتفقتا منذ عشرات السنين على عدم ممارسة النوع الثاني لكن هل التزمت إسرائيل هذا الاتفاق؟.

صحيفة "الإندبندنت " البريطانية ووفق خبر لها نشر مؤخرًا، قالت : "أنه ليس ثمة ما يسمى بعدم تجسس الأصدقاء على بعضهم، مشيرة إلى أن ذلك وهم كبير، موضحة بأن الولايات المتحدة الأمريكية تعاني حاليًا من تجسس إسرائيل عليها، وهي أحد أقرب حلفائها". وأوضحت الصحيفة أن إسرائيل كانت تحاول سرقة الأسرار من الولايات المتحدة، التي تعتبر الحامي والمتبرع الرئيسي لها منذ بداية الدولة اليهودية في عام 1948، وحتى قبل ذلك!!

نحن اليوم نقف أمام فصل جديد ترويه الجاسوسية الإسرائيلية التي لا تعرف إلا مصالح الدولة العبرية وحدها، في حين لا تزال الولايات المتحدة تغض الطرف عن تجسس الحليفة الأبدية. وربما هذا ما دفع المؤرخ الإسرائيلي "آفي شليم" في هذا السياق ليقول: " إن مطالعة سجلات إسرائيل خلال العقود الأربعة الماضية توصل إلى النتيجة بأن إسرائيل هي دولة مارقة...الدولة المارقة تعرّف بأنها تلك الدولة التي تخالف القانون الدولي بشكل دائم، وتمتلك أسلحة دمار شامل، وتمارس الإرهاب أي ممارسة العنف ضد المدنيين للوصول لأهداف سياسية. إنّ هذه الشروط تنطبق على إسرائيل تمامًا وعليها الاعتراف بذلك، فالأخيرة لا تنشد التعايش السلمي مع جيرانها لكنها تبغي الهيمنة العسكرية، وأنها تقوم بإعادة أخطائها في الماضي ولكن بشكل مأساوي في كل مرة".

رغم ما حصل ويحصل بين واشنطن وتل أبيب، ستستمر المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل في اتجاهها العام في تزايد مستمر، ورغم استمرار هذه المساعدات وتلقي الإدارة الأمريكية الصفع من تل أبيب سواء من خلال تصرفات كأعمال التجسس السياسي أو تصريحات وانتقادات تطال مسؤولين أمريكيين على رأسهم باراك أوباما ووزير خارجيته، ورغم ازدياد حالات التجسس الصناعي العسكري وبيع التكنولوجيا الأمريكية لدول تمارس الولايات المتحدة حظراً على التعامل العسكري معها كالصين على سبيل المثال، إلا أن تأثير اللوبي الصهيوني وقوته في القرار السياسي الأمريكي هو ما يجعل استمرار الدعم وتدفق كل أشكال المعونات و المساعدات المالية والعسكرية والاقتصادية، فمنظمة (الإيباك) لها أثر كبير على تعديل بوصلة الإدارات الأمريكية وتوجيهها للوجهة التي تراها جماعة الضغط مناسبة.

فأخبار عمليات التجسس الإسرائيلي على أمريكا لن تقدّم ولن تؤخر، ولن تغير الموقف الإسرائيلي الأساسي من رعاية القوة العظمى؛ فالقيادة الإسرائيلية ستبقى ترى في العلاقة مع واشنطن حاجة ماسة لمصالحها وأمنها القومي وستبقى تل أبيب تتجسس وواشنطن لا ترى ضيرًا إن هي غضت الطرف عن ذلك!

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"