بقلم : رحاب شريف الثلاثاء 10-06-2014 الساعة 01:49 ص

علمني عبدالله السبيعي

رحاب شريف

عندما كنت فى المرحلة الاعدادية حضرت أول فيلم سينمائى فى حياتى فى عرصات السينما، ومازلت أتذكر اسم الفيلم الذى شاهدته بانبهار الذى كان يحمل عنوان " Independent Day " مازلت أتذكر تفاصيل الفيلم ومشاعرى المتوهجة وهمتى العالية وطاقتى المتأججة حين خرجت من باحة السينما، وذلك الدفتر الصغير أصفر اللون الذى أخرجته من حقيبتى لأسجل فيه ما استفدته من هذا الفيلم، فكتبت بعض العبر فى سطور ثلاثة، وأخذت أفعل الفعل ذاته فى كل فيلم أحضره، أكتب فى دفترى الصغير اسم الفيلم وتاريخ مشاهدتى اياه والعبر التى استفدتها منه، والجميل أن هذه العادة امتدت من دائرة الأفلام الى دائرة الأفراد، فبت أكتب اسماء الشخصيات التى تعرفت عليهم فى حياتي، وأكتب بفخر كل ما تعلمته منهم، وكم أجد فى هذه العادة من الفوائد، فالكتابة ترسخ الفوائد والعبر، وهى بمثابة الناقوس الذى يذكرنى بين فترة وأخرى عندما أفتح الدفتر المصاحب لي، وكم فتحت هذا الدفتر فى أوقات أكون بحاجة الى مافيه، رغم علمى بماكتبت، الا ان الذكرى دائما تنفع المؤمنين.

صاحبت هذه العادة الجميلة وصاحبتني، فانتقلت من دفترى الاصفر الصغير الى آخر كلما أمتلأ واحد اشتريت آخر مع محافظتى على ماقبله، وصرت أكتب الفوائد واستسقى العبر وأدون الملاحظات، وانقش العبارات الجميلة أو الأبيات الرائعة التى أسمعها ممن حولى مصادفة، لكى لا تذهب هباء ، فنحن بنى البشر أصحاب العقول نعلم أن المرء يعيش مرة واحدة فمن الأجدر أن يتعلم من كل ماهو حوله ولكلٍ منا وسائل فى حفظ العبر ووسيلتى الكتابة فهى القاعدة الذهبية التى تعلمتها فى الدرس الأول من دروس تنمية الموارد البشرية التى تنص على " اكتب.. اكتب.. اكتب".

وهكذا فعلت فعلا حينما قدر الله أن أكون جزءا من صرح مجموعة بروة العقارية كرئيس قسم الاتصال الاعلامى والاعلام، فتشرفت بمعرفة نخبة من القادة الرائعين، على رأسهم المهندس عبدالله عبدالعزيز السبيعي، الرئيس التنفيذى السابق لمجموعة بروة العقارية، فكم تعلمت منه رغم مدة عملى القصيرة معه، ولكن هذه المدة كانت حافلة بالدروس التى تستحق الوقفات وتستحق أن تقيدها الكلمات بل وتستحق أن يقرأها الأفراد والجماعات، ناهيكم أنه يستحق الثناء والتبجيل، فالقادة الرائعون يستحقون أن نذكر أفضالهم، وتأثيرهم وعطاءاتهم النيرة، ولم لا؟ فقد قال الذى لا يكذب ابدا:" من لا يشكر الناس لا يشكر الله".

كنت خارج الدولة، تحديدا فى سلطنة عمان عندما بلغنى خبر استقالته من احدى الزميلات العزيزات بالمجموعة، وبعدها بدقائق بلغتنى رسالة الوداع الراقية التى أرسلها الى جميع الموظفين عبر البريد الالكتروني، هنا وفى هذه اللحظة اخرجت دفترى الصغير من حقيبتي، وأخذت أكتب كلماتى تحت عنوان " علمنى عبدالله السبيعي" دعونى اشارككم بعضها:

علمنى عبدالله السبيعى أن مقياس التفاضل بين الموظفين هو الكفاءة والقدرة على العطاء والخبرات العلمية والعملية لا بالاسماء الاخيرة التى تختم بها اسماؤهم ولا بعلاقاتهم الحميمية معه، بل كان يؤمن بتوظيف من يستحق ويمنح الدرجات من هو كفء للدرجة والمنصب.

علمنى عبدالله السبيعى أهمية التغافل، حين تسقط الأقنعة، فهو من المؤمنين بأن التغافل من الطباع التى يتقنها الناجحون وكأنه يردد بافعاله قول أبى تمام: "ليس الغبى بسيد فى قومه ولكن سيد قومه المتغابي" وقصد ابوتمام هنا المتغافل.

علمنى عبدالله السبيعى المهنية العالية التى كان يتقنها واضعا أمام عينيه الآية القرآنية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ اِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ).

علمنى عبدالله السبيعى أن الموظف المتميز المخلص هو الذى ديدنه أن يضيف الى منصبه لا يجعل المنصب اضافة اليه، وألا يجعل هدف البقاء على الكرسى بل أن يكون هدفه العطاء وترك الأثر وهكذا حرص أن يفعل.

لقد رحل عنا المهندس عبدالله عبدالعزيز السبيعى لكنه ترك فى النفوس الأثر الجميل وترك فى العقول العبر والدروس، لقد رحل وترك انجازاته تتحدث عنه، هكذا يكون القائد الحق، حفظ الله عبدالله السبيعي ورفع شأنه في الدنيا والآخرة.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"