بقلم : لويس حبيقة الأحد 06-07-2014 الساعة 02:56 ص

الناتج المحلي والتحولات المطلوبة

لويس حبيقة

يقيس الناتج المحلي الإجمالي مجموع الإنتاج النهائي للسلع والخدمات في اقتصاد معين خلال فترة زمنية محددة، يستعمل الناتج الحقيقي لتقييم حجم الاقتصاد وتطوره من سنة إلى أخرى، أو ما يعرف بالنمو، للمقارنة بين الاقتصادات، لابد من استعمال مؤشرات مكملة كالناتج الفردي الذي يقيم مستوى المعيشة أو ناتج العامل الواحد الذي يقيم الإنتاجية الدافعة الأساسية للنمو والتطور. تصدر الاقتصادات المتطورة إحصاءات عن الناتج فصلية وحتى شهرية كي يستطيع المتابعون والمسؤولون تقييم الأوضاع ومعالجة الخلل قبل تفاقمه. تصدر الاقتصادات العادية أرقاما سنوية وأحيانا متأخرة سنة أو أكثر عن قيمة الإنتاج الوطني وكيفية تقسيمه بين مكوناته الأربعة أي الاستهلاك والاستثمار والإنفاق الحكومي والميزان الخارجي الصافي للسلع والخدمات. بدأ استعمال الناتج كمؤشر أساسي عن حجم، بل قوة الاقتصاد في ثلاثينيات القرن الماضي، أبرز الاقتصاديين الذين كونوه وطوروه هو "سيمون كوزنيتس" Kuznets الروسي الأبيض في الأصل الذي هاجر إلى أمريكا للعمل وحصل على جائزة نوبل للاقتصاد لسنة 1971.

الناتج المحلي الإجمالي هو الرقم المستعمل الأكثر في العالم، ليس لأنه مثالي وإنما لعدم وجود إحصاءات أفضل تقيم الأوضاع الاقتصادية وتبدلها. من نواقص الناتج عدم إدخاله عمل ربات المنازل غير المقيم بالإحصاءات، لكنه يؤثر بشكل كبير ومباشر على الاقتصاد والأوضاع العائلية والإنسانية. كيف يمكن تجاهل السنوات الطويلة للعمل المنزلي المهم المؤثر على تربية الأولاد ومستقبلهم. يقول العديد من الاقتصاديين إن السنوات القليلة الأولى للأطفال التي يمضونها في المنزل مع الوالدين، خاصة الأم، هي الأهم في الحياة والأشد تأثيرا على تفكير ونضوج الطفل، يتبعها في الأهمية المدرسة الابتدائية التي تكمل ما بناه الأهل قبلا، مع ضرورة الاستمرار في الإشراف النوعي من قبلهم. من المواضيع الأخرى التي يتجاهلها الناتج هو التلوث وتكلفته والذي يأتي من الإنتاج والاستهلاك، مما يؤثر على صحة الإنسان ونوعية حياته، هنالك أمور أخرى يتجاهلها الناتج ومن بينها التطور التكنولوجي الذي يرفع الإنتاجية ويخفض التكلفة، وبالتالي ينخفض الناتج على المدى القصير ليرتفع فيما بعد بعد أن يكبر حجم الاقتصاد.

حاول الكثيرون ومن بينهم "جو ستيغليتز" إيجاد مؤشرات أخرى تقيم، بالإضافة إلى الإنتاج المادي، الأوضاع الاجتماعية والإنسانية والنفسية. فشل بسبب دقة وصعوبة تقييم الأوضاع النوعية، كسعادة المجتمع والاطمئنان والارتياح، كما الاكتفاء الذاتي والعام والقناعة والرضا وغيرها، بالإضافة إلى كل النشاطات المرتبطة باللهو والعطل والفراغ التي يحتاج إليها كل مواطن لمواصلة العمل وتحسين صحته وأوضاعه النفسية والإنسانية. مثلا الناتج المحلي الإجمالي في لبنان هذه السنة أعلى بقليل من ناتج سنة 2013، لكن الجميع يؤكد أن القلق ارتفع وبالتالي أوضاع المجتمع أسوأ نفسيا وشبابيا وسياسيا. لا شك أن هذه الأوضاع إذا ما استمرت ستنعكس على أرقام الناتج، إذ لا يمكن الحفاظ على مستوى الإنتاجية الحالي إذا بقي اللبنانيون غير راضين عن أوضاع بلدهم.

هنالك اقتصادات أخرى نجحت في تطوير ناتجها الإجمالي في أجواء استقرار عامة ومنها المكسيك وبولونيا وكوريا الجنوبية. لم نعد نتكلم اليوم عن الاقتصاد الصيني كالماضي، إذ نجح بتفوق وتجربته أصبحت معروفة، ضعف النمو الصيني مؤخرا، لكن هنالك اقتصادات أخرى استفادت من التجربة الصينية لتنجح هي أيضا. لم يعد يكفي الاتكال فقط على إنتاج وتصدير مواد أولية للنمو والازدهار، بل أصبحت مصادر النمو متكاملة ومعقدة وشاملة.

في المكسيك مثلا تغيرت الأوضاع كثيرا مع انتخاب الرئيس الجديد "انريكي بينيا نييتو" منذ سنة والذي أعطى دفعا جديدا للاقتصاد بفضل حيويته الشابة وسياساته الجديدة. قبله تدنى النمو الاقتصادي وتبعا لصندوق النقد من 3.6% في سنة 2012 إلى 1.2% في سنة 2013. ارتكز الرئيس على الغنى المادي الموجود في المكسيك ومن بينه النفط واستفاد إلى أقصى الحدود من السوق الأكبر في العالم الموجود شمال الحدود. مع انتخاب الرئيس الجديد اعتقد العالم أجمع، ومن ضمنه المؤسسات الدولية المعروفة، كالبنك وصندوق النقد الدوليين، أن وقت النهوض المكسيكي قد حان وها هي النتائج الإيجابية تبدأ بالظهور مع تحول الاقتصاد تدريجيا من متكل على المواد الأولية إلى مرتكز على الصناعة والخدمات. انتقلت المكسيك من الاقتصادات المنغلقة نسبيا إلى الأخرى الأكثر انفتاحا في العالم. ليس صحيحا أن الاتجاه العالمي الحالي هو في العودة إلى تدخل أكثر للقطاع العام في الاقتصاد، إنما الصحيح هو أن السياسات العامة تختلف بين دولة وأخرى تبعا لأوضاعها ومصالح شعوبها.

بينما كانت صادرات النفط تشكل في السابق %75 من المجموع المكسيكي، أصبحت السلع الصناعية هي الأساس، حيث شكلت هي مؤخرا ثلاثة أرباع قيمة الصادرات.

من النتائج الأساسية لتغيير السياسات وتدفق الاستثمارات:

أولا: ارتفاع الأجور في المكسيك مما يؤثر سلبا على الاستثمارات التي كانت تتوجه أصلا إليها بدافع التكلفة المنخفضة.

ثانيا: إلى أين تتوجه الاستثمارات التي كانت تأتي سابقا إلى المكسيك؟ الأجور ارتفعت أيضا في الصين، وبالتالي فإن الاستثمارات الغربية الحديثة، خاصة الأمريكية، ربما تفضل المكسيك على الصين بسبب ارتفاع الإنتاجية وتكلفة النقل المنخفضة نتيجة القرب الجغرافي.

ثالثا: هنالك ميزة مهمة للاقتصاد المكسيكي وهو احترامه أكثر من الآسيوي، خصوصا الصيني، للملكية الفكرية التي أصبحت في غاية الأهمية مع تركيز المجتمع الدولي على الإبداع والتغيير والابتكار.

رابعا: دخول المكسيك منذ سنوات في اتفاقية شمال أمريكا للتجارة الحرة NAFTA وسع أسواقها وجعلها جاذبة أكثر للاستثمارات الغربية.

هل أصبح الاقتصاد المكسيكي الأفضل أو الأمثل في العالم؟ حتما لا، إذ تبقى تحديات كبرى تواجه الرئيس الجديد ومنها الأمن والفساد وتطوير وتحديث البنية التحتية، كما الفوقية، الضروريتين للنمو في الاقتصاد الحديث.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"