بقلم : لويس حبيقة الأربعاء 09-07-2014 الساعة 03:24 ص

التكنولوجيا والتقدم الاقتصادي

لويس حبيقة

الجهود العادية القديمة لا تكفي لتحقيق التنمية الاقتصادية. لا بد للتكنولوجيا المتطورة من أن تلعب دورها الطبيعي في تغيير طرق الإنتاج وفي مساهمة العوامل المادية والإنسانية في تعديل طبيعة ونوعية السلع والخدمات. التكنولوجيا متغيرة دائما، إذ هنا تكمن ضرورة متابعتها وفهمها لإدخالها في الحياة اليومية. هنالك بعض التكنولوجيا الجديدة الصعبة الفهم بالنسبة للمواطن العادي، إذ ترتكز على معادلات رياضية وعلمية معقدة لا تقع في متناول أكثرية المواطنين. هنالك حلقة وصل مفروض أن تكون موجودة بين المؤسسات العلمية من دور أبحاث وجامعات ومختبرات وغيرها من جهة، والمواطنين من جهة أخرى هدفها شرح التطورات وكيفية الاستفادة العملية منها في الحياة. الإعلام التقني الجدي والجيد ضعيف في كل الدول خاصة النامية منها، حيث الحاجة إليها أكبر بكثير.

من التكنولوجيا المؤثرة في التنمية تطور قطاعي النقل والاتصالات اللذين غيرا وجه العالم وكانا السبب الرئيس في تحقيق العولمة. في قطاع النقل، تغيرت وسائله في كافة الأوجه أي الأرضية والمائية والجوية من نواحي الأسعار وتوضيب السلع والحفاظ على جودتها والتأمين والسرعة كما التسليم. لم يكن ممكنا تطوير حجم وقيمة التجارة الدولية لولا التطور في عالم النقل الذي يتجاهله الإعلام في معظم الأحيان. للحاويات دور كبير في التجارة والنمو والتنمية الدولية. هنالك الملايين منها تتنقل يوميا بين البحر والأرض فتعرقل السير أحيانا، لكنها أساسية في الاقتصاد. هنالك كتاب قيم جدا لـ"مارك ليفينسون" عنوانه "كيف جعلت الحاويات العالم أصغر والاقتصاد الدولي أكبر" وهو من المنشورات القلائل المتخصصة في هذا القطاع الكبير.

يروي ليفينسون تاريخ الحاويات وكيف غيرت التجارة المحلية كما الدولية. سمحت للإنتاج بأن يكون عالميا عبر نقل أجزاء السلع من دولة أو قارة إلى أخرى، فتنتج في الوقت نفسه في أماكن مختلفة. لم يعد مفروضا على المصانع أن تكون قرب المرافئ لأن وسيلة النقل تطورت. يركز على دور "مالكولم ماكلين" صاحب أول شركة عالمية متخصصة في النقل عبر الحاويات بين الأرض والبحر. في أواخر الخمسينات من القرن الماضي، ابتكر ماكلين الحاويات بحيث سهل وظيفة النقل عبر وضع السلع في "علبة" واحدة تنقل عبر السفن أو الشاحنات أو غيرها. قبلا كانت توضع السلع على الباخرة ،ثم يتم إنزالها، وكان الوقت المهدور كبيرا جدا. لم تتم هذه النقلة النوعية بسهولة، إذ حاول المتضررون خاصة بعض النقابات تأجيل هذا التغيير النوعي منعا لإلغاء بعض فرص العمل التي تصبح حكما غير ضرورية.

لكن النقل عبر الحاويات لم يتعزز إلا مع حرب فيتنام عندما اعتمده الجيش الأميركي لنقل السلع لـ 540 ألف جندي أميركي يقاتلون في آسيا. اعتبرت هذه الطريقة الأفضل والأفعل لتأمين وصول حاجات العسكر عبر القارات. سرع هذا الواقع انتشار الحاويات من قبل المواطنين والشركات بحيث أصبحوا مستعدين لدفع التكلفة لتسريع النقل وضمان سلامة السلع. مرة أخرى ينتقل التطور التكنولوجي من العسكر والأمن إلى المجتمعات المدنية. في الإنترنت مثلا، تطورت الخدمة في الجيش الأميركي وانتقلت بعدها إلى الاقتصاد المدني العادي.

من ناحية أخرى، كان التركيز الإعلامي والاجتماعي على دور الاتصالات في التطور والتنمية غير دقيق لأن القطاع وحده لا يكفي لتحقيق النمو رغم أهميته. تتطور تكنولوجيا الاتصالات كثيرا خاصة عبر الخليوي الذي سمح للفقراء والشركات الصغيرة البعيدة بالدخول إلى الاقتصاد الدولي. قرب الخليوي العالم تماما كالحاويات بحيث حسن أوضاع الفقراء رغم عدم مساهمته كما يجب في تقليص فجوات الدخل والثروة. هنالك 2.5 مليار شخص يعتاشون يوميا بأقل من دولارين. معظمهم غير موجود في النظام المالي والمصرفي الدولي. الحقيقة إنهم يدخرون، لكن المؤسسات العادية من مصارف وغيرها لا تهتم بمدخراتهم لأن الوصول إليهم صعب ومكلف. 77% منهم لا يملك حساب ادخار في مصرف مما دفع مؤسسات الإقراض الصغيرة إلى الوصول إليهم. تؤمن هذه المؤسسات المبنية على تجربة "غرامين" البنجلادشية القروض لحوالي 200 مليون مقترض، لكن هذا لا يكفي حتما لحل مشكلة الفقر. لأن إدارة القروض الصغيرة مكلفة، فالفوائد تبقى مرتفعة مما يحد من نمو القطاع وانتشاره عالميا خاصة في إفريقيا التي تبقى القارة الأفقر. ضمن هذا الواقع، هنالك بعض الأمل النابع من التكنولوجيا:

أولا: تغطي خدمات الخليوي %90 من فقراء العالم وبالتالي يمكن استخدامها لإدخالهم إلى الأسواق المالية. هنالك خدمات مالية يمكن اتمامها أكثر فأكثر عبر الخليوي، بحيث لا يضطر الفقير إلى الانتقال الجغرافي من مكان لآخر.

ثانيا: تحقيق الخدمات المالية عبر الخليوي أفضل للفقراء من الطريقة العادية، إذ أن التكلفة حكما أقل وترتكز على السرية المؤمنة عبر الشبكة كما تسمح للسلطات المالية والنقدية بالحصول على إحصاءات ومعلومات تفتقدها لهدف التطوير والتوسع.

من الدول التي استعملت التكنولوجيا بذكاء للتطور هي بولونيا وكوريا الجنوبية. منذ سقوط الشيوعية في سنة 1989، تغيرت الأوضاع الاقتصادية إيجابا في بولونيا ليس فقط نتيجة تغير قواعد النظام السياسي وإنما أيضا نتيجة الاستفادة من التكنولوجيا المستوردة خاصة الألمانية. في سنة 2004 انضمت بولونيا إلى الوحدة الأوروبية وتعتبر اليوم سادس أكبر اقتصاد في الوحدة. لبولونيا مشاكل جغرافية مهمة وهي الحدود الغربية مع ألمانيا والشرقية مع روسيا، أي مع دولتين قويتين بكل المعاني.

أما الاقتصاد الآخر الناجح جدا فهو الكوري الجنوبي الذي يعتبر من أبرز الاقتصادات الناشئة. منذ 50 سنة كانت كوريا الجنوبية أفقر من بوليفيا والموزانبيق أما اليوم فهي أغنى من إسبانيا ونيوزيلاندا، وذلك بفضل التكنولوجيا المتطورة التي سمحت للشركات بإنتاج أفضل السلع من سيارات وأدوات منزلية وإلكترونية وغيرها. يتعزز التجديد والابتكار في الاقتصاد في الحقلين العام والخاص بفضل التشريعات كما الحوافز المتخصصة.

ما زال الاقتصاد الكوري متقلبا كحال الدول الناشئة، لكنه نجح في تكوين احتياطي نقدي هائل يقدر ب 400 مليار دولار مع فائض في ميزاني الحساب الجاري يقدر ب 5% من الناتج وفي الموازنة يقدر ب 1%.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"