بقلم : خالد وليد محمود الخميس 24-07-2014 الساعة 02:02 ص

في غزة.. إبكِ واشعر بالفخر معًا!

خالد وليد محمود

غزة.. تلك الحيّز الجغرافي المحيّر. غزة الشاهد على زمن تنظر إليه، فتظن لوهلة وكأنك تدقق في زمن لم تعشه. زمن غابر تخرج منه رائحة الكتب القديمة، بقصصها وملاحمها، تلك التي تتحدث عن المغول والتتار وأنهار الدم، وملاحم ما قبل الكهرباء والإنترنت والحروب التي تبث على الهواء مباشرة.

مرحبا بكم في أرض الألغاز! أيعقل أن يسجن نحو مليوني إنسان دفعة واحدة في بقعة لا إنسانية هناك حيث زاوية قصية عن الضمير الإنساني، ثم لا تجد من يعترض على ذلك، سوى نفرٌ أوسعوا الدينا صراخا من دون طائل؟!

أيعقل أن يشارك في السجن أخ ولدته بالفعل أمك في حصار اجتمع عليه من يفترض أن لا يجتمعا، إسرائيل وعدوها. أو العرب وعدوهم. هي فنتازيا ظلامية قادمة من الجحيم، الإنسانية المنافقة في عصر يقتلك فيه القاتل، وهو يقنعك بأن ما يفعله لك حضارة وديمقراطية، ثم تجد من يهز رأسه اقتناعًا.

لكن غزة لا تستقيل. غزة تلك الحيز الجغرافي المحير ترفض أن تجلس على قارعة طريق العالم تندب حظها العاثر. ما فعلته أنها خطت لنفسها نصرها الخاص، خطته لنفسها ثم أهدته لنا.

تفضلوا هنا العزة.!

اليوم أنت أمام مثلث عزة. في القلب فيه غزة. أما ضلعاه الآخرين، فهناك الألم حيث سوريا الوحيدة تعاني بصمت وتعاني بوجع وتعاني كما لم يعاني أحد من قبل، وفي الطرف القصي من الحكاية - حيث الضلع الثالث - عراق التشظي وعراق الانشطار وعراق التفتت.

لكن ليس أحدٌ مثل غزة.. هنا "قطاع" انقطع من العالم المعاصر، وعن العالم المعاصر. القطاع الكاشف، والقطاع الفاضح، والقطاع الذي نجح في صناعة مستحيلة الخاص، فاسمعنا موسيقى على ايقاع النصر. لكنه نصرُ غزة القادم بعد قليل.

قالت غزة: بإمكانك أن تفعل هذا.. راقب فقط. وبدأ ايقاع نصر خرافي لا يكاد المرء فيه يصدق ما يراه. كيف اتسع لهذه الضعيفة المحاصرة الكليمة أن ترتقي كل هذه المسافة من دون أن تسقط؟!

بعض الأمور لا تستطيع أن تفهمها. تتعايش معها فقط. غزة واحدة من هذه الأمور. غزة تنتصر وفقط. ولا يجب أن تفهم كيف ولماذا وبم تنتصر. أنت ترى انتصارها. ترى أحجيتها كيف تقودك إلى حل معضلة، ظننت منذ نحو سبعين عاما أنها عصية على الحل.

هل يعقل أن ننتصر على إسرائيل؟ سؤال طار بسببه ألف رأس ورأس. ها هي غزة تجيب بـ "نعم".

انظر كيف حولت غزة بأيام معدودة مفاعل ديمونا، إلى معضلة إسرائيلية، بعد أن ارتعد العدو وهو يرى غزة تقصفه بصواريخها المحلية.

وأنت في غزة هاشم فأنت في حضرة الشهداء وفي حضرة الدم والمجازر وأشلاء الأطفال. غزة رغم ضيق مساحتها إلا أنها تعادل تاريخ أمة وكنزًا معنويًا وأخلاقيًا. يكفيك فقط النظر إلى عيون التحدي في وجوه الغزيين حتى تدرك حجم الانتصار الذي يسكن عقول هؤلاء!

في غزة اليوم حكاية يعرفها الأحرار فقط، ويحفظونها عن ظهر قلب، أجمل ما فيها صورة المقاومة في قهر الغزاة، حكاية لن يستطيع أحد أن يمحوها ولن يتكفل الزمن في ذلك. في غزة اليوم، حكاية صمود طويلة، لا تحتاج إلى شرح ولا إلى دليل. أصل الحكاية أن ثمة أبطال يرسمون حدود الوطن الحقيقي.

يقال إن أهل مكة أدرى بشعابها، ونقول أن غزة هي الأدرى بغزاتها، وهي التي خبرتهم وكسرت شوكتهم وحطمت ردعهم ومرغّت أنوفهم بالتراب. غزة التي أضافت فصلًا خامسًا من فصول السنة لتزهر فيه اشجار العزة وورود الكبرياء! غزة التي نشاهدها كل يوم عبر شاشات الفضائيات ونحن مثقلون بالتخمة والكوابيس والنميم، نناظر جثث الأطفال الواقفين على رؤوس أصابع الصمود، إننا شهود ملخصين، على احتراق بيوتهم في النار! فكم أنت كبيرة وشامخة يا غزة وكم نحن صغار قليلون لأننا مجرد أرقام! أما أولئك المتفرجون من ذوي القربى وتجّار الحروب والدماء وخطباء الفتن والمحللون والمحرمون والذين يرتدون نظارات صممت لغير عيونهم، فهم المهزومون الهاربون من قدرهم التاريخي والذين ألقوا أصغر إخوتهم إلى الذئب وباعوه إلى عدو ليذبحه بسكين أعمى! هؤلاء يتألمون وتطاردهم الكوابيس ووجوه الأطفال البريئة، سقطت اليوم عنهم آخر أوراق التوت وبانت عوراتهم بأقبح صورها التي سترتد إلى أعناق الذين صمتوا وتواطئوا على ذبح أهل غزة وستبقى لعنة المعاناة التي يعيشها أطفال غزة وأشلاء الضحايا والشهداء شبحا يطارد كل المتخاذلين الصامتين!

حسنًا، لا يجب عليك أن تفهم ما يجري. فأنت أمام قطاع غزة مجبر على فعل أمرين معًا ؛ البكاء حزنًا والشعور بالفخر. ودون ذلك يخلص الكلام وتختفي الكلمات والعبارات وتصمت الألسن وتجف الأقلام.. فلا نامت أعين الجبناء!.

التعليقات1

تعليقات

  • محمد حيدرية 24/07/2014 18:37:03

    واقع مؤلم

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"