بقلم : خالد وليد محمود الإثنين 28-07-2014 الساعة 01:48 ص

هل تتنازل أمريكا عن إدارة الإنترنت؟

خالد وليد محمود

عندما جلس فانيفار بوش (Vannevar Bush) ملهم فكرة الإنترنت كبير المستشارين العلميين للرئيس الأمريكي فرانكلين دي. روزفلت عام 1945 يكتب مقالة في مجلة المستقبل، لم يكن يدرك أن فكرته ستتمخض عنها نتائج مبهرة وخطيرة؛ فقد كانت رؤيته عن جهاز حاسب مكتبي صغير يحتوي على كل المعرفة الإنسانية هي التي أوحت للعلماء بفكرة إنشاء الإنترنت التي مضى على إنشائها حوالي ربع قرن واقتراب مستخدموها من نصف سكان المعمورة، لتتحول الإنترنت إلى وسيلة لا يمكن الاستغناء عنها، سواء في التجارة والاتصال أو العمل والحكومة والإعلام. ولم يعد من الممكن ببساطة تصور جزء كبير من العالم المعاصر من دونها، بيد أن نجاح الإنترنت الباهر لم يكن دون كلفة، فقد أصبحت الشبكة العالمية في خطر التقسيم بعد فضائح التجسس العالمية الكبرى والتي كشف عنها مؤخرًا ما دعا حكومات دول مثل ألمانيا وفرنسا إلى إنشاء شبكة اتصالات أوروبية تتفادى مرور البيانات عبر الولايات المتحدة، كما تعمل روسيا بمساعدة إدوارد سنودن المتعاقد السابق مع وكالة الأمن القومي الأمريكي والذي فجرّ قصية التجسس ذاته لبناء موقع تواصل اجتماعي منافس للفيسبوك. بينما ظهرت شواهد على استخدام الصين بدائل محلية لمحرك البحث جوجل ومواقع التواصل الاجتماعي. أما إيران، التي تُصنَّف بأنها واحدة بالفعل من أكثر الدول تقدماً في مجال فرض الرقابة على الإنترنت، تروج أيضاً لشبكة الإنترنت الوطنية الخاصة بها على أنه إجراء من شأنه أن يوفر التكاليف بالنسبة إلى المستهلكين ووسيلة لدعم القواعد الأخلاقية الإسلامية. وبنفس الوقت تعتبر خطوة تهدف إلى إنهاء الصراع الدائر حول السيطرة على الإنترنت. وكل هذه المعطيات تهدد بتقسيم شبكة الإنترنت إلى شبكات أصغر لا يمكن التواصل بينها. لماذا كل هذا؟

السبب هو أن الشبكة العنكبوتية باتت اليوم أكثر من أي وقت مضى عرضة للهجمات والجريمة والحرب الإلكترونية والتجسس، والذي ألحق دون شك الضرر ببنى أساسية حساسة في دول مختلفة حول العالم. وهو ما اضطر العديد من الدول وأجهزة الأمم المتحدة والكثير من المنتديات الإقليمية والدولية والوطنية للتوصل إلى توافق آراء حول مستقبل الإنترنت وحكومتها أو إدارتها. لكن جميع الجهود التي بذلت في هذا المضمار لم تفلح لغاية كتابة هذه السطور في إحراز تقدم يذكر بعد أن نأت الولايات المتحدة عن نفسها إلى حد بعيد عن هذه المناقشات لتركز بدلًا من ذلك على تطوير قدراتها الهجومية والدفاعية في مجال الأمن الإلكتروني مع الاعتماد على خبرات القطاع الخاص للمحافظة على استمرار استقرار النظام.

ثمة مؤسسة أمريكية تقوم بمهام الإشراف على الإنترنت، وهي (هيئة الإنترنت الخاصة بالأسماء والأرقام) والتي تعرف اختصارًا باسم (ICANN) وثمة محاولات مضنية لتحرير هذه الهيئة من الاحتكار والهيمنة الأمريكية، الذي يقلق بال الكثيرين، ليس فقط في الدول النامية، ولكن أيضًا في دول الاتحاد الأوروبي، ولذا تتعرض الهيئة لكثير من عوامل الشد والجذب من القوى السياسية المختلفة لاعتبارات تتعلق في المحل الأول باعتبارات الهيمنة المعلوماتية، أو ما أصبح يعرف الآن باسم (هيمنة الشفرة). آخر المحاولات كانت في صيف 2013 حيث أثارت المعلومات التي كشفها المستشار الاستخباراتي السابق لجهاز وكالة الأمن القومي الأمريكية إدوارد سنودن غضب وحنق العديد من الدول الأوروبية وعلى رأسها ألمانيا والبرازيل من التنصت على رئاسة الدولة وأدت هذه المعلومات إلى برودة العلاقات بين البلدين وحثت تلك الدول على ضرورة ترتيب بيت الإنترنت لئلا تتكرر أعمال مماثلة. فبعد فضيحة التنصت اقترحت البرازيل على الأمم المتحدة فكرة رقابة متعددة الأطراف على الإنترنت مكررة أصداء طموحات عدد من هيئات الإنترنت الحريصة على استقلاليتها حيال واشنطن.

الجديد بكل هذا الموضوع هو إعلان الإدارة الأمريكية على خلفية الانتقادات التي تعرضت لها بأنها مستعدة للتخلي عن دورها المركزي في توزيع أسماء النطاق على الإنترنت لصالح نظام حوكمة عالمي. وعلى الرغم من أن مثل هذا القرار رأى فيه الخبراء بأنه سيسمح بمشاركة أوسع لحكومات العالم بإدارة الإنترنت وإلغاء تفرد الحوكمة الأمريكية بتوزيع النطاقات والتحكم بالشبكة وسيمنح دول العالم حق إدارة الشبكة العالمية، مما سيفتح آفاقا جديدة للشبكة، إلا أنّ ثمة من رأى بمثل هذه الخطوة فتح شهية بعض الدول لفرض سيطرة ورقابة على الإنترنت والحد من الحرية التي تتمتع بها الشبكة العالمية وهذا ربما سيقود وقتها لتقسيم الإنترنت، لاسيما إذا اختلفت الدول المسيطرة على الشبكة العنكبوتية مما سيحولها إلى دويلات معزولة لا اتصال بينها. ورأي آخر لا يستبعد أن تتنازل الولايات المتحدة عن هكذا دول كوسيلة تحاول من خلالها الالتفاف والاحتفاظ بهيمنتها عبر وضع الإنترنت تحت إدارة قطاعها الخاص!

لغاية الآن، لا جديد بموضوع حوكمة الإنترنت، وتخلي الإدارة الأمريكية عن دورها المركزي في السيطرة والهيمنة على هيئات ضبط الإنترنت، ولا تزال تبسط نفوذها على مؤسسة (آي سي إيه ان ان) إدارياً وتقنياً، كبيئة إلكترونية كونية تحتوي مختلف مظاهر الاتصال والتفاعل الرقمي للأفراد والجماعات والمنظمات والمؤسسات المحلية والعالمية بأنواعها. وذلك بحجج مختلفة، منها التقدم الأمريكي في التكنولوجيا الفائقة، والبحوث عالية المستوى في مختلف الصناعات الرقمية الآلية، وتوافر القدرات الأمريكية الضخمة في الإدارة والتحكم، إلى جانب التهديدات الأمنية المتزايدة وأهمية الإنترنت في مجالات التجارة والأعمال والسياسة والاقتصاد والإعلام...إلخ.

خلاصة القول، ستفرض الشبكة العالمة للمعلومات "الإنترنت" نفسها في الأعوام القليلة القادمة كقضية مركزية تخلق نزاعاً حقيقيًّا وصدامًا بين القوى الدولية، وسيتحول التنافس التكنولوجي المبني على قضية التجسس والتنصت الأمريكي على العالم إلى نزاع دبلوماسي سيأخذ أبعادًا بين الأحادية الأمريكية والتعددية العالمية، بينما يشير الواقع إلى هيمنة وسيطرة أمريكية ستمتد طالما ربطت الأخيرة وهذه الهيمنة بقضية أمنها القومي والحيوي وستضع العصي في دولاب أي خطوات دولية تتعلق بمسائل حوكمة الإنترنت، من شأنها تحسين أمن الفضاء الإلكتروني وتحديد الحركة فيه.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"