بقلم : لويس حبيقة الأربعاء 30-07-2014 الساعة 12:01 ص

الدوافع الاقتصادية لـ "الربيع" العربي

لويس حبيقة

الذي يحل في المنطقة العربية منذ 2010 من ثورات وحركات مضادة مدهش، إذ يؤشر إلى وجود حيوية كبيرة مخبأة في المجتمعات ليس فقط عند الرجال وإنما خاصة عند النساء والأطفال. رغم أن النتائج لم تكن حتى اليوم بمستوى الطموحات، بل أعادتنا إلى الوراء في بعض الدول إنما ما جرى ويجري يعطينا الأمل في إمكانية التغيير النوعي المستقبلي. منذ الاستقلال العربي في منتصف القرن الماضي، كان هنالك تصور سياسي عقائدي واضح ليس فقط في مصر وإنما أيضا في الجزائر وسوريا واليمن وغيرها.

كانت الحركات الاستقلالية واضحة في أهدافها وميولها وتحالفاتها وكيفية عملها، أما اليوم فهنالك تخبط على جميع المستويات ربما لغياب القيادات النوعية أو لأن الظروف الدولية تغيرت كثيرا. بنيت الحركات الاستقلالية في مصر وغيرها على ضرورة التنمية والاهتمام بالفقراء والأرياف وجمع الشمل العربي ليس فقط في السياسة وإنما أيضا في الاقتصاد. حتى لو لم تكن النتائج السابقة جيدة، إلا أن المحاولات كانت عديدة وفي الاتجاه الصحيح.

في منتصف القرن الماضي، كانت القيادات السياسية العربية مدعومة خاصة من الطبقات الوسطى التي شكلت العمود الفقري للاقتصادات، تشرذمت هذه الطبقات الحيوية بل أصبحت فقيرة بسبب سوء الممارسات والسياسات على مستوى الحكومات والمؤسسات الرسمية وغيرها، تشرذمت أو قضي عليها بسبب سياسات التحرير السريعة بل المتسرعة وغير المدروسة في العديد من الدول العربية مما جعل كبار الشركات والثروات أو حيتان المال المرتبطة بالسلطات السياسية تسيطر على الاقتصاد وتلغي الوسط. في نسبة الإنفاق العام من الناتج في المنطقة العربية، تدنت من 22% في سنة 1975 إلى 14% في سنة 2005 أي أن دور القطاع العام تقلص عربيا على عكس ما حصل في شرق آسيا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا وحتى في الدول الغربية. عندما ينحدر الإنفاق العام بهذا الحجم وهذه السرعة، من يخسر؟ طبعا الطبقات الوسطى وما دون.

قبلت الشعوب بمصيرها لعقود طويلة ولم تحاول التغيير، ما الذي استجد حتى نزلت إلى الشارع في تونس ومصر واليمن وسوريا والأردن وغيرهم؟ هل استفاقت الشعوب على حقوقها السياسية وحرياتها، أم أن العوامل الاقتصادية المتدهورة هي التي حركت؟.. في رأينا الأسباب وراء ما يعرف بالربيع العربي متعددة ونوجزها كما يلي رغم أن النتائج حتى اليوم لم تعط "ربيعا" لكن الوقت سيشير مستقبلا إلى الفشل أو النجاح.

أولا: بدأت التحركات في تونس في 17-12-2010 عندما أحرق محمد بوعزيزي نفسه احتجاجا على الأوضاع العامة في البلاد. كانت الشعوب حاضرة للتحرك لأنها تعبت من سوء ممارسات الحاضر كما الماضي، أي أن لا شيء ستخسره من محاولات التغيير. كانت نسبة النمو في تونس 3.1% في تلك السنة أي نسبة مقبولة وأن لم تكن جيدة. إذا الأوضاع السياسية ترافقت مع نتائج اقتصادية غير باهرة أسهمت مجتمعة في تحريك الشارع. في مصر استقال الرئيس حسني مبارك في فبراير 2011 وتبعتها تطورات كبيرة في معظم الأقطار العربية. كانت نسبة النمو في مصر في سنة 2010 حوالي 5.1% وهي جيدة بكل المعايير، وإن تكن غير كافية لتغيير الأوضاع المعيشية للفقراء والأرياف، الاقتصاد لم يكن العامل الوحيد الدافع للتغيير.

ثانيا: في سنة 2005، قامت مؤسسة "زغبي الدولية" باستفتاء الشعوب العربية في إطار نماذج إحصائية علمية تمثلها. سألتها، ما هي أولوياتها بل مما تعاني أكثر؟ كانت الأوجاع الاقتصادية في الطليعة. تركزت الأجوبة على مستوى البطالة وتوافر الصحة والتعليم كما على ضرورة محاربة الفساد، لم تأت الحريات السياسية والديمقراطية إلى في أدنى السلم، طبعا لو كانت الحريات السياسية متوافرة، لما شعرت الشعوب بالوجع الاقتصادي كما كان الحال.. تراكم المشاكل والإهمال الرسمي دفعا الناس إلى الشارع.

ثالثا: مع توافر الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي وتقدم كل ركائز الاتصالات في سرعتها وأسعارها وامتداد الشبكات خاصة الخلوية، أصبحت الشعوب العربية واعية أكثر فأكثر على أوضاعها مقارنة بما يجري في العالم. لماذا يحق للغير ما لا يحق لنا، وبالتالي تراكم الشعور بالغبن مع الوقت. أصبحت الشعوب العربية واعية أكثر فأكثر على مستوى معيشتها وازدياد فجوات الدخل والثروة بين الطبقات الشعبية كما على خطورة الفساد المستشري على حساب الناس ومستقبلها، لا شك أن سوء الخدمات العامة والاجتماعية المقدمة للفقراء أسهمت في دفع غضب المواطنين إلى العلن وإلى حدود لم نشهدها من قبل.

رابعا: سوء السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي استفاد منها الأغنياء بل القسم المرتبط بمصالح الحكام ومتحالف معهم، فالدعم الممارس في قبل العديد من الحكومات العربية للسلع النفطية والمواد الغذائية أرهق الموازنات، وكان الأغنياء المستفيدون الأولون منها لأنهم يستهلكون أكثر.

في سنة 2011، بلغت تكلفة دعم الطاقة 41% من إيرادات الدولة المصرية و24% من اليمنية و22% من الأردنية وبقي القليل للحاجات الأخرى. كانت تكلفة الصحة كبيرة جدا على الموطنين لأن ما تقدمه الدولة لم يكن كافيا. هذا كان حال المواطنين في مصر وتونس حيث يضطر المواطن إلى الإنفاق على صحته من جيبه الصغيرة أصلا فوق ما تقدمه له الحكومات، تحاول الدول العربية اليوم تخفيف الدعم وإعطاء معونات مباشرة للأسر والشركات الصغيرة كي تكون هي المستفيدة من السياسات وليس الميسورين.

خامسا: لم تكن الثورات لتحصل لو بقي مؤيدو الحكام السابقون على تأييدهم لهم، اهتراء الحكومات بالإضافة إلى القمع وسوء الأداء أفقد الحكم في مصر وتونس وغيرهما التأييد التقليدي لهم من قبل قطاع الأعمال والطبقات الوسطى، تمادى الحكام في الفساد الذي انعكس سلبا على الاقتصاد وأوضاع الفقراء، كانت أجور موظفي القطاع العام ضئيلة ولا تكفي، في وقت لم يكن أداء المسؤولين موازيا للطموحات الشعبية العامة المتزايدة. تعلق المواطنين المتزايد بالدين المحارب للفساد شجعهم أيضا على الانتفاضة ضد الحكام.

لا أحد ينكر تشابه الأوضاع العربية في سنة 2010 مع ما حصل في الاتحاد السوفييتي والدول المجاورة له بدأ من سنة 1989، تراكمت الأوضاع السياسية مع الاقتصادية والاجتماعية لتفجر الأوضاع وتعزز غضب الشارع. إلا أن النتائج المحققة في روسيا ودول أوروبا الشرقية هي لا شك أفضل مما هو الحال عندنا، هناك انتقال سياسي واقتصادي واضح معزز بالاستقرار في الدول الشيوعية السابقة لم نعرفه بعد عربيا، هناك تراجع كبير في أوضاع بعض الدول العربية ومنها ليبيا التي تحتوي على طاقات كبرى لكنها تعاني من الفوضى والخراب والدمار والصراعات الذي ستؤخرها سنوات. طبعا لا أسف على معظم القيادات العربية السابقة، إنما نتوقع ممارسات أفضل من الحكام الجدد أينما وجدوا.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"