بقلم : خولة عقيل الأربعاء 30-07-2014 الساعة 12:10 ص

في أيام معدودة علمتني غـزّة..

خولة عقيل

منذ بداية الحرب الدامية على غزة وأنا أفكر في كتابة مقال، ولكنني في كل مرة كنتُ أعجز عن التعبير، ربما من كمية الحزن الذي يختزنه قلبي، وربما لأن الصور التي نراها على شاشات التلفاز، والأخبار التي نقرؤها في مواقع التواصل الاجتماعي، لم تُبقِ لنا ما نقوله.

لن أتطرق في مقالتي هذه الى آخر أخبار غزة، ولا إلى مجريات الأحداث، فكل هذه الأمور أصبحت لا تخفى على صغير أو كبير، ويعلمها ويتابعها العالم أجمع، سأكتب هنا عن مشاعري تجاه غزة، وحقيقة هذه الأرض وأهلها الطيبين، هذه الحقيقة التي قد لا يعرفها الكثيرون.. مشاعري تجاه غزة عميقة وقوية جداً، فأنا لم أرها فقط في نشرات الأخبار، بل زرتها في عام 2010م، وعشت فيها أياماً كانت من أجمل وأروع أيام حياتي، كنتُ دوماً أرى غزة كحبيبة صعبة المنال، ولكن الله سبحانه وتعالى حقق لي أمنيتي التي سكنت قلبي منذ الصغر، وهي أن تطأ قدماي أرض فلسطين الطاهرة، نعم عشت تحت سماء غزةِ هاشم، وعلى أرضها الأبية التي طالما قدمت شهداء لتتخضب بدمائهم الطاهرة، وتنفستُ فيها هواء العزة والكرامة، وتعرفت أهل هذه الأرض الذين كنت أشعر وكأنهم أناس ليسوا من زماننا هذا، ولا من دنيانا هذه، وكأنهم بشر من زمن الصحابة رضوان الله عليهم، يسطرون بقصصهم أروع معاني التضحية والبطولة، والأهم الجهاد في سبيل الله.

أهل غزة لا تكسرهم حرب ولا يهز من عزيمتهم قصف، ولا تضعفهم دبابات الصهاينة ولا صواريخهم، أهل غزة، هم الذين يهزمون الصهاينة بصبرهم وينتصرون عليهم بعزيمتهم، لإيمانهم بأنهم الفائزون في كل الأحوال، فحياتهم إما الى نصر، أو إلى شهادة ونعيم مقيم في الجنة.. كنت أعجب من ثباتهم، ففي كل بيت حكاية تُروى وألم يُحكى، ومع ذلك ترتسم الابتسامة على وجوههم بكل إباء، متناسين كل حزن وبلاء، متضرعين دوماً إلى رب السماء، بأن ينصرهم على الأعداء. وعندما أذكر هنا كلمة بلاء وحزن، فهنا أعني كل ما تحمله هاتان الكلمتان من معانٍ قاسية، وذكريات أقسى، وهل هناك أشد ألماً من فقد الأهل والأحباب؟ وهل هناك أقسى من فقد عين أو بتر عضو؟

إنهم وبالرغم من ذلك يبتسمون رغم شدة الظروف والحصار المفروض عليهم من سنوات، ففي شوارع غزة كنتُ أقرأ كلمات وشعارات جميلة؛ من أمل وصبر وعزيمة وقوة نُقشت على الجدران، كنتُ أستمتع بقراءة الشعارات التي يكتبونها، وأفرح بصمود أهل غزة الكبير، وأشعر أن في كل زاوية هناك أمل يولد من رحم الألم.

وفي الفندق الذي أقمنا فيه، كانت هناك لافتة تضم بضع كلمات للشاعر الراحل "محمود درويش “رحمه الله، كلمات قليلة بحروفها، كبيرة بمعانيها، حيث كُتب: "يجب أن يرى العالم غزة كما نراها نحن!! أكثر المدن روعة وحضارة وأكثرها جدارة بالحب" وصدق درويش، لأن القادم لغزة سيشعر بعمق بهذه المشاعر طوال فترة إقامته فيها، وستكبر هذه المعاني في قلبه، بعد رحيله عنها، هذه الأرض بعد أن يعيش فيها أي إنسان أياماً معدودة ويرحل عنها عائداً إلى بلده، تُغيِّر في نفسه وقلبه الكثير، تجعله يحبها بعمق، ويشتاقها بعمق أكبر، تجعله يشعر أنه ترك جزءاً منه في ربوعها، فيحبها كثيراً، والأجمل أن غزة تجعل زائريها يعيدون ترتيب أولوياتهم بل وأمنياتهم أيضاً من جديد، حيث تظل هناك أمنية تسكن في قلوبهم تكبر يوماً بعد يوم، وهي أن يرزقهم الله زيارة هذه الأرض المباركة مرات عديدة، وأن تقَرَّعيونهم بتحرير الأقصى الحبيب.

لن تفي كلماتي هذه الأرضَ الطيبة وأهلها الطيبين، فلهذه الأرض فضل عليّ لن أنساه ما حييت، فقد علمتني دروساً كثيرة في الحياة؛ لا تعد ولا تُحصى، دروساً لو عشت دهوراً لم أكن لأتعلمها، لولا تشرفي بدخول غزة التي تنبض بالعزة والكرامة!!.

على أرض غزة تركتُ بعضاً من روحي ترفرفُ بين أبطالها، وأودعت هذه الروح عند أهل غزةِ هاشم، لعلّي أسترجع الأمانة عند تحرير فلسطين بأسرها، والمسجد الأقصى، في يوم عسى أن يكون قريباً.

التعليقات1

تعليقات

  • أم عمر 31/07/2014 19:40:40

    فعلا كل الذين زاروا غزة استفادوا من الزيارة من كبير و صغير وجاؤا بهمه و حماس للعطاء و كيفية تخطي الصعاب كنا ستزور غزة لولا أحداث مصر و إن شاء الله نزورها مع عائلتي الصغيرة أبنائي مشتاقون لزيارتها

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"