بقلم : لويس حبيقة الأربعاء 03-09-2014 الساعة 12:49 ص

لماذا تبقى أسعار النفط مستقرة؟

لويس حبيقة

ما يدعو للعجب هو بقاء أسعار برميل النفط لفترة غير قصيرة في حدود 100 دولار للبرنت رغم التقلبات الكبيرة القوية في الأسواق من ناحيتي العرض والطلب. لا يمكن إنكار أهمية الطاقة للحياة، لذا يحاول الإنسان على مدى الأجيال الحصول عليها حتى لو اضطر إلى القيام بالحروب العنيفة. بداية من الخشب كمصدر للطاقة، تحول العالم إلى الفحم في القرن الثامن عشر مما سمح للثورة الصناعية بأن تحصل. من الفحم إلى النفط حيث حصلت ثورة في الإنتاج والإنتاجية والتطور والتنمية. حتى الخمسينيات، سيطرت شركات قليلة عملاقة أهمها سبع على إنتاج وتسويق النفط العالمي. أصبح النفط سلاحا اقتصاديا وسياسيا رئيسيا لأهميته في تفعيل الإنتاج العالمي وتحقيق النمو. هنالك محاولات عدة اليوم لتنويع مصادر الطاقة منها الجديد نسبيا كالشمس والنووي والرياح، والقديم كالفحم بعضها نجح لكن النفط مازال المصدر الأساسي للطاقة عالميا. حصل الخلل خاصة في ميدان النقل حيث مازال القطاع يتكل بـ 96% من نشاطاته على النفط بينما تنوعت أكثر مصادر القطاعات الأخرى. هنالك واقع آخر وهو أن 60% من النفط المنتج عالميا يذهب إلى النقل مما يجعله المصدر الأساسي بل سيبقيه على ذلك طويلا، لا بديل حتى اليوم عن النفط للنقل.

حقبة الشركات الغربية الكبرى المسيطرة على الإنتاج انتهت مع تزايد دور الدول المنتجة بفضل الوعي السياسي للشعوب والحكام، فأسست مجموعة "الأوبيك" لتتولى تنظيم وتنسيق الإنتاج حتى تبقى الأسعار مناسبة للمنتجين. تشكلت مجموعة الدول المستهلكة في المقابل مما جعل من عمليات العرض والطلب في القطاع النفطي غير حرة، أي مقيدة بمصالح مجموعتين كبيرتين تتواجهان عند اللزوم كما تتعاونان في أحيان عدة. تطورت الأدوات المالية النفطية في الأسواق العالمية مما جعل من النفط ليس فقط سلعة تجارية بل أداة استثمار تجذب التوقعات والمخاطر في أهم البورصات في الولايات المتحدة وأوروبا. أصبحت عمليات العرض والطلب معقدة وتتكل ليس فقط على الحاضر بل على التوقعات المستقبلية للسوق التي لا يمكن حصرها. ما الذي يحصل اليوم في أسواق النفط؟

أولا: في الإنتاج هنالك تقلبات كبرى تتلخص في انخفاض الإنتاج الليبي نتيجة الأوضاع العنيفة المقلقة التي تمر بها البلاد، الأوضاع العراقية ليست جيدة وتؤثر على الإنتاج وهنالك تغيرات كبرى في السياسة تنعكس سيطرة على الأرض لمجموعات سياسية دينية متطرفة. في نيجيريا، العنف والفوضى والأمن والخطف تجعل كلها الإنتاج متقلبا بل معرضا للمخاطر مع إبقاء حوالي 3.5 مليون برميل من النفط خارج السوق يوميا. في فنزويلا، من الصعب زيادة الإنتاج لأن الاستثمارات لم تحصل خلال وقت طويل، مما جمد تطور الطاقة الإنتاجية للبلاد. في إيران، موضوع العقوبات بشأن النووي معروف، إلا أن الإنتاج الإيراني سيرتفع أكثر في حال تم الاتفاق مع مجموعة 5 + 1 وبالتالي تعود إيران بقوة إلى الأسواق. أما العقوبات المتزايدة على روسيا بسبب الوضع الأوكراني، فلابد وأن تؤثر على العرض وبالتالي على الأسعار. كل ما سبق يشير إلى أن الأسعار سترتفع إلى حدود أعلى بكثير مما هو عليه اليوم. لم يحصل، لماذا؟ لابد من الانتقال إلى الطلب كما إلى مزايا العرض الجديد.

ثانيا: الطلب الأوروبي ضعيف بسبب الأوضاع الاقتصادية التي يمكن وصفها بالركود والتي تحدث تقلبات كبرى اجتماعية وسياسية منها ارتفاع حصة أحزاب أقصى اليمين في الانتخابات البرلمانية الأوروبية وربما لاحقا في الانتخابات الوطنية. أوروبا في خطر سياسي نتيجة انتشار التطرف الذي يتعزز في أوقات الضيق الاقتصادي. لذا لابد من عمل المستحيل لتنشيط النمو ومحاربة البطالة كما الفقر.

ثالثا: ما هي مزايا العرض الجديد؟ هنالك النفط الآتي من الصخور الذي ينتج عبر ضخ المياه تحت الأرض بقوة كبيرة مما يساهم في تفتيتها وتحويلها إلى نفط وغاز. المياه وحدها لا تكفي، بل يجب إضافة مواد كيميائية تقتل البكتيريا وتساعد بل تسبب هذا التفتيت. هنالك من يعترض على هذه الطريقة المعتمدة في أمريكا منذ سنة 1940 في الإنتاج من ناحية التلوث الذي تسببه للمياه الجوفية، وبالتالي يمكن أن تضر بالإنسان والبيئة. تم استخراج النفط من حوالي مليون بئر أمريكي حتى اليوم. إلا أن التجربة الأمريكية خاصة في ولاية بنسلفانيا تشير إلى عكس ذلك بسبب تفتيت الصخور على مستويات منخفضة جدا، بينما تسحب المياه من أعماق أقل بكثير مما يمنع مزج السوائل. أسهم الاستخراج الصخري في إبقاء أسعار الطاقة منخفضة كما في ارتفاع العمالة في القطاع، كما خف الاعتماد نسبيا على الفحم الملوث الأكبر. نشير هنا إلى أن الولايات المتحدة خفضت الاستيراد وتعتمد أكثر فأكثر على الإنتاج الصخري الداخلي وربما تصدر قريبا النفط الخام. انخفض الاستيراد النفطي الأمريكي من 60% من الاستهلاك إلى 28%، مما سحب الضغط على الطلب في الأسواق العالمية. كما أن كندا زادت إنتاجها تعويضا. في غياب هذين العاملين، لشاهدنا ربما سعر نفط في حدود 150$ للبرميل الواحد.

رابعا: عطفا على البند السابق، لابد من ذكر انخفاض الطلب الأمريكي على النفط النيجيري الذي تدنى من مليون برميل يوميا في سنة 2010 إلى حوالي 38 ألفا اليوم، مما سمح لآسيا باستيعاب هذه الكمية الآتية من القارة السوداء. أسهم هذا الواقع في تخفيف التشنج في الأسواق، وبالتالي أراحها من ناحيتي العرض والطلب.

خامسا: هنالك واقع استثماري جديد في النفط. بينما كانت الشركات ترفع إنفاقها الاستثماري بحوالي 14% سنويا منذ سنة 2005، توقفت عنه بسبب عامل الطلب وعدم إمكان تسويق الإنتاج. تخفض الشركات اليوم إنفاقها الاستثماري، مما يمكن أن يؤثر ارتفاعا على الأسعار في المستقبل القريب.

هل يستمر هذا الهدوء في الأسواق؟ ما هي العوامل المؤثرة وكيف تتجه؟

أولا: تشير الإحصاءات إلى أن الإنتاج النفطي خارج مجموعة الأوبك سيرتفع بكمية 1.7 مليون برميل في اليوم خلال هذه السنة بينما يرتفع الطلب 1.4 مليون فقط تبعا لمجموعة الدول المستهلكة مما يساهم في إبقاء الأسعار مستقرة.

ثانيا: انخفاض النمو الاقتصادي الصيني مما ينعكس انخفاضا في الطلب على النفط. هنالك تحول كبير في خصائص أسواق النفط أي تبدل مصادر التغيير من العرض في العقود الماضية إلى الطلب اليوم. الطلب يحرك الأسعار اليوم أكثر بكثير من العرض، مما يشير إلى ضعف سيطرة المنتجين على الأسعار.

ثالثا: المخزون النفطي الأمريكي هو في أعلى مستوياته بسبب ارتفاع الإنتاج الداخلي مما يساهم في إبقاء الأسعار العالمية منخفضة. يساهم هذا الواقع في إبقاء التوقعات منخفضة كما المضاربات متحفظة لغياب معالم التغيير الواضحة والمحتملة.

جميع هذه العوامل تشير إلى بقاء الأسعار مستقرة إلا إذا حدثت مستجدات طارئة إيجابية أو سلبية كعودة الإنتاج الليبي إلى سابق عهده كما الإيراني والعراقي وغيرهما.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"