بقلم : فهد بن منصور الدوسري الجمعة 12-09-2014 الساعة 01:07 ص

سعادة صاحب التاكسي (2)

فهد بن منصور الدوسري

قال الدكتور علي: وقبل أن نصل إلى منزلي ختم الرجل – الصادق في إيمانه والكبير في رجولته وإيثاره – حديثه قائلاً: بعد سنوات أمضيتها في عملي كنت خلالها في صراع كبير مع الجميع، فالبعض ينظر إليَّ باحتقار، والبعض الآخر يتحدث عني بسخرية وازدراء، وطائفة أخرى يرمونني بالجنون – بزعمهم أن من يرفض هذه الملايين ما هو إلا معتوه – وكنت خلال تلك الفترة في صبر عظيم ومجاهدة مستمرة مع النفس، كلما ضعفت التجأت لربي، ثم جمعت أولادي أنظر إليهم وأضمهم لقلبي، واحتضنهم إلى صدري وأنا أردد قوله تعالى (وفي السماء رزقكم وما توعدون* فَوَرَبِّ السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون)، فأعود بعدها أقوى وأقوى، أمارس عملي ثابتا على مبدئي.

قال صاحب التاكسي: وفي نهاية المطاف قدمت استقالتي من عملي، وخرجت خروجاً لا رجعة بعده، واشتريت بحقوقي هذا التاكسي، وانطلقت أجمع لقمة أولادي من عرق جبيني غير آسف على منصب تركته، ولا آبه براتب كنت أتقاضاه، تركت ذلك كله لأنجو بديني ولأكسب مستقبل أولادي، وأحافظ على صحتي، وأنا واثق بأن الله عز وجل سيعوضني خيراً مما تركته، وسيحفظني بحفظه، وكنت أردد دائماً حديث نبيي وحبيبي صلى الله عليه وسلم «احفظ الله يحفظك»، وقد والله حفظني ربي في نفسي وولدي، فأنت أخي الدكتور علي قد رأيت ما أنعم به عليَّ من الصحة والقوة ونضارة الوجه كما سمعته منك.

قلت.. وهذا يذكرنا بما قيل «إن من عجائب حكمة الله، أنه جعل مع الفضيلة ثوابها الصحة والنشاط، وجعل مع الرذيلة عقابها الانحطاط والمرض».

وأضاف صاحب التاكسي: وكما حفظ الله لي صحتي فقد حفظني في أولادي كذلك: فأولادي – ولله الحمد – قد تخرجوا من الجامعات بتفوق، وهم يشغلون مراكز عليا، وجلهم يحفظ القرآن أو على وشك حفظه، وبيننا من المحبة والألفة والإيثار والترابط ما أعجز أن أصفه لكم.

قال صاحب التاكسي: وقد بلغني – بعد سنوات – عن بعض زملائي في العمل ممن هم أقل مني درجة في السلم الوظيفي أنهم قد أصبحوا من أصحاب الأرصدة الكبيرة، والعمارات الشاهقة والقصور الفخمة، ولقد سمعت عنهم أخباراً جعلتني أضاعف حمدي وشكري لمولاي عز وجل الذي هداني وثبتني أمام فتنة المال، فقد انتهى المطاف ببعض أولئك الزملاء بإصابتهم بأمراض مزمنة، فأحدهم يعالج في الخارج من المرض الخطير، والثاني من تليف في الكبد، والآخر اختلف أبناؤه وتقاتلوا فيما بينهم، والآخر أدمن بعض أبنائه المخدرات.

قال صاحب التاكسي للدكتور علي: وفي القريب العاجل بإذن الله سوف أودع هذه الحبيبة – سيارتي التاكسي – فقد ألح أولادي عليَّ كثيراً بالترجل من على صهوتها، بعد أن تحسنت أحوالهم، وارتفع دخلهم، وأصبحوا في رغد من العيش، فقد فهمت أنهم يريدون إراحتي ليبروا بي، ويقوموا على خدمتي، وأنا أرغب في أن أتيح لهم الفرصة ليجدوا بر أولادهم.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"