بقلم : هوجو جولياني خوري الثلاثاء 16-09-2014 الساعة 02:06 ص

حل الأزمة بين الولايات المتحدة وروسيا

هوجو جولياني خوري

ما يحدث الآن في شبه جزيرة القرم وأوكرانيا له مكونات جيوسياسية، في هذا الجانب، فإن الولايات المتحدة وأوروبا سيرون أنفسهم بمرآة ماضيهم تحت قيادة بوتين، لم تعزز روسيا اقتصادها فحسب، بل زادت قوتها العسكرية أيضاً، ربما لم تكن لديها القوة العسكرية من قبل ولكنها قوة إقليمية.

لقد كان فلاديمير بوتين دقيقاً جدا في خطابه في أعقاب ضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا عندما قال: "مجرد معرفة تاريخ شبه جزيرة القرم فإنه يتضح جلياً أن شبه جزيرة القرم كانت دائما ولا تزال جزءا لا يتجزأ من روسيا، وبالتالي ينبغي ألا يندهش القادة الغربيون مما حدث مؤخرا هناك".

حرب القرم عام 1854، نشأت مع نشوء نزاع بين المسيحيين الأرثوذكس الذين تحميهم الأرثوذكسية الروسية من جهة، وبين الكاثوليك الذين كانوا تحت الحماية الفرنسية. كان النزاع حول من سيحصل على السيطرة على كنيسة المهد وكنيسة القيامة في القدس.

إلى جانب ذلك، كانت لحرب القرم مكونات جيوسياسية تسيطر على البحر الأسود. بعد كل ما حدث، ما يجري فعلا في أوكرانيا والقرم حالياً هو شبيه لما حدث في تلك المنطقة في عام 1830، عندما تدخلت روسيا القيصرية في بولندا لسحق التمرد. في ذلك الوقت كان هنالك العديد من الآراء، وقد ذكر الشاعر الروسي الشهير ألكسندر بوشكين موضحاً لتلك الآراء: "هذه معركة بين عرق "السلاف". وإن الغضب القديم جداً لن يقرره المعارضون لروسيا". ففي تلك المناطق يوجد حجم كبير من العلاقات الاقتصادية والثقافية والدينية والعائلية مع روسيا، وكما قال بوشكين، تلك الشعوب أيضا مثلها الأعلى هو عالم "السلاف".

أحداث الأشهر الأولى من عام 2014 حين تم ضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا، والوضع الحالي في أوكرانيا، قد يؤديان إلى تقسيم هذه الأمة إلى ثلاث ولايات مختلفة. الأولى هي شرق أوكرانيا، تلك المنطقة الأكثر تقدماً صناعياً، ويعد حوالي 80٪ من سكانها ناطقين باللغة الروسية ويرغبون في الانضمام إلى روسيا. في المقابل، هنالك وسط أوكرانيا حيث تقع العاصمة الفعلية كييف وهنالك نجد وضعاً مختلفاً، فاللغة الرئيسية هي الأوكرانية ولكن هناك خليط من الناس، البعض يفضل أن يكون جزءا من أوروبا، والبعض الآخر يفضل أن يكون جزءًا من روسيا. ربما في المستقبل، سوف تكون هذه المنطقة منطقة عازلة بين روسيا وأوروبا من حيث قواعد حلف شمال الأطلسي. وبالتالي فإن إستراتيجية بوتين لوسط أوكرانيا ستكون مختلفة وتوجيهها نحو تحقيق نظام فيدرالي، حيث ستكون مختلف المحافظات تتمتع باستقلالية كبيرة عن الحكومة المركزية. في إطار هذا المخطط يمكن أن يكون لدى روسيا نفوذ سياسي كبير.

وأخيراً الولاية الثالثة هي أوكرانيا الغربية مع وجود مدينة "لفوف" كمركز حضري رئيسي، حيث معظم السكان يرغبون في أن يكونوا جزءاً من أوروبا.

منذ انفصال أوكرانيا عن الاتحاد السوفيتي، كانت إدارة الاقتصاد كارثية وهذا هو أحد أسباب الحركة الانفصالية على الأرض. وجاء الأمر الآخر عندما أطيح بالرئيس يانوكوفيتش وتم تثبيت حكومة الأمر الواقع، في تلك اللحظة تم تشكيل الوضع السياسي من قبل قوى وطنية وقوى الوضع القائم، وكان من الممكن تجنب الوضع في شبه جزيرة القرم وأوكرانيا لو أدركت الولايات المتحدة وأوروبا مسبقاً أن عملية توسيع حلف شمال الأطلسي لقواعده لها حد أقصى وهو أوكرانيا. فمن الأولى أن نفهم أن روسيا لن تسمح أبداً بذلك. فقبل نصف قرن حدث ما حدث عندما حاول الاتحاد السوفيتي تثبيت قاعدة الصواريخ في كوبا التي ليست سوى 90 ميلا من البر الرئيسي للولايات المتحدة الأمريكية. الولايات المتحدة لن تسمح أبداً بمثل هذا الشيء.

كما حدث في الماضي، ما يحدث الآن في شبه جزيرة القرم وأوكرانيا له مكونات جيوسياسية. في هذا الجانب، فإن الولايات المتحدة وأوروبا سيرون أنفسهم بمرآة ماضيهم. في الماضي صنعت الولايات المتحدة الأمريكية النتيجة المباشرة لثيودور روزفلت لأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، الآن روسيا تصنع النتيجة المباشرة لأوراسيا.

وتظهر تحاليل الأوضاع أن الرئيس بوتين قد لعب لعبة الشطرنج هذه بمهارة. وبدلاً من ذلك فإن الرئيس أوباما حتى هذه اللحظة لعب بشكل يظهر قيودا في حركته. أحد أسباب ذلك هو الانقسامات في آراء أقرب مستشاريه. لقد لعب هذه اللعبة دون "عصا" تيدي روزفلت، ومضرب البيسبول الذي كان في يده عندما دعا رئيس الوزراء التركي آنذاك رجب طيب أردوغان. ولعل الرئيس أوباما يدرك أن خياراته في شبه جزيرة القرم محدودة، وهو يعلم أيضاً أنه ليس صحيحاً أن الولايات المتحدة على المدى القصير يمكن أن تستبدل الغاز الذي تستورده أوروبا من روسيا. ولكن وراء كل تلك العناصر الوضع الحقيقي هو أن الولايات المتحدة لا تريد أن تكون لها حرب ساخنة ولا حرب باردة مع روسيا.

أكثر من ذلك بكثير معرفة أنه على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، ما لديك هو شريك أوروبي ضعيف اقتصادياً وعسكرياً ولديه مصالح اقتصادية مع روسيا. فلنأخذ ألمانيا كمثال، الألمان يعلمون أنهم يعتمدون على الغاز الروسي، ولكن أيضاً لديهم حوالي 7000 شركة لديها أعمال تجارية مع روسيا. وإذا نظرت إلى الوراء والتاريخ والقيم الداخلية للمجتمع الألماني، ستستنتج أنهم يقعون بين الشرق والغرب. هذا هو السبب أن نتائج استطلاع أجري حديثاً أشار إلى أن نسبة 49% من الألمان يريدون لبلادهم اتخاذ موقف وسط في هذه المسألة مع روسيا. ولكن هذا أيضاً يحدث مع الفرنسيين، حيث إن لديهم عقودا تصل إلى 1.6 مليار دولار مع روسيا لمعدات عسكرية، وفي الواقع فإن لديهم قيادة سياسية ضعيفة جداً لن تكون قادرة على اتخاذ قرار بشأن هذه المسألة الصعبة.

مع ذلك فإن تحت تلك العوامل، الحقيقة الواقعية هي أن الأهمية المستقبلية للمنطقة البحرية في شبه جزيرة القرم تكمن في أنها من المحتمل أن تكون غنية بالنفط والغاز، النفط والغاز اللذان ينتجان في هذه المنطقة وفي منطقة القطب الشمالي لابد من نقلهما عبر هذا الطريق البحري إلى الأسواق الرئيسية في آسيا وأوروبا.

بالإضافة إلى احتياطات نفط شبه جزيرة القرم، هنالك منطقة القطب الشمالي، وهي منطقة تحتوي على أكبر احتياطات على مستوى العالم من النفط والغاز المكتشف وغير المكتشف. أكثر من نصف تلك الاحتياطات تقع في المنطقة التي تنتمي إلى روسيا، وذلك النفط سيتعين أيضاً نقله عبر الطريق البحري الشمالي من شبه جزيرة القرم.

في ظل الظروف الراهنة، تحتاج الولايات المتحدة إلى حل قضايا إيران وسوريا للحفاظ على السلام في أفغانستان بعد الانسحاب، وكذلك حل القضية الفلسطينية مع إسرائيل. في تلك المسائل سيتعين على الولايات المتحدة طلب مساعدة من روسيا.

هذا يعيد إلى الواجهة أنه من الأفضل كثيرا بالنسبة للولايات المتحدة الاتفاق مع روسيا بشأن تلك القضايا مقابل السماح لشرق ووسط وغرب أوكرانيا أن يقرروا ما إذا كانوا يرغبون في البقاء موحدين أو أنهم يرغبون في الانضمام إلى الاتحاد الروسي، وهذه مبادلة جيدة لكلا الجانبين. البديل الآخر بالنسبة للولايات المتحدة هو أن تبدأ حرب باردة جديدة مع روسيا مع كل ما تحمله من آثار سلبية لكلا الجانبين ولبقية العالم، وهذا الخيار الأخير ينبغي تجاهله بشكل واضح.

سيتعين على الرئيس أوباما التغيير وتحسين إستراتيجيته الحالية من أجل تحقيق أفضل نتيجة في لعبة الشطرنج.

إن لاعبي الشطرنج الجيدين يلعبون على كلا جانبي لوحة الشطرنج، وعندما يرون أن الفوز مستحيل، يركزون على إنهاء المباراة على "الطاولة".

لو كنت الرئيس أوباما، فإن لعبتي ستكون موجهة لأكون قادراً على صنع ما يسمى "المقايضات" مع بوتين والنتيجة ستكون عادلة.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"