بقلم : لويس حبيقة الأربعاء 17-09-2014 الساعة 01:32 ص

قوة الدولار من قوة أمريكا

لويس حبيقة

المعروف عالميا أن قوة النقد تنبع من الوضع الاقتصادي العام، إلا أن هذا ليس صحيحا دائما، كما شهد عليه سعر صرف اليورو، رغم الوضع الاقتصادي الأوروبي السيئ منذ سنة 2008، ارتفع اليورو تجاه الدولار دون أي مبررات علمية أو واقعية تذكر. ارتفع بسبب الطلب عليه، علما أن أوضاع الاقتصاد الأمريكي كانت ومازالت أفضل نسيا. في كل حال، بدأ التصحيح يحصل، وهاهو الدولار يتحسن لمصلحة أوروبا الراغبة في انحدار عملتها لغاية التصدير الذي يعتبر الركيزة الأساسية للنمو الاقتصادي. لن تستطيع فرنسا مثلا النهوض من كبوتها الاقتصادية الحالية إلا إذا تحسنت صادراتها، وهذا ممكن أكثر اليوم مع تغير سعر صرف اليورو تجاه الدولار.

لا شك أن النفوذ السياسي ينعكس على النقد. حتى بدء الحرب العالمية الأولى، كانت بريطانيا الأقوى وكان نقدها الأهم. انتقلت القوة السياسية إلى الولايات المتحدة حيث أصبح دولارها النقد العالمي الأهم. فالقوة النقدية تنعكس ارتفاعا في مستوى المعيشة، لكن يمكن أن تنعكس أيضا ارتفاعا في الدين العام وهذا ما حصل في الولايات المتحدة حيث أصبحت الدولة المدينة الأكبر في العالم. عاش الأمريكيون كمجتمع فوق قدراتهم المالية لعقود، وبالتالي أصبحوا مدينين للعالم الخارجي خاصة لآسيا وتحديدا للصين. تملك الصين اليوم أكثر من 2.5 ألف مليار دولار من الاحتياطي النقدي الخارجي، 70% منها سندات خزينة أمريكية.لا يمكن لأمريكا أن تسدد ديونها المتراكمة مهما حاولت. لا يمكن للصين التي تملك ديونا خارجية تعادل نصف ناتجها المحلي الإجمالي أن تعتبر أن هذه الديون غير موجودة أو يجب إلغاؤها أو حذفها. أمريكا كما الصين عالقتان في هذه الحلقة ولابد من أن تتعاونا لمنع الأسوأ الذي ينعكس على السياسة والأمن والاقتصاد.

في الواقع، انتقلت أمريكا من دولة اقتصادية عظمى بعد الحرب العالمية الثانية إلى دولة عادية بسبب الديون والأخطاء وضعف النمو والانفلات السياسي والعسكري العالمي. يحاول الرئيس أوباما الحد من هذا الانفلات، إلا أن الأوضاع الأمنية تفرض عليه الاستمرار به بالحدود الدنيا الممكنة. هنالك مثال معروف يقول بأن من يستدين مليون دولار من المصرف، يصبح مملوكا منه. من يقترض مليار دولار من المصرف، يصبح المصرف ملكا له. ما الذي حول أمريكا مما كانت عليه إلى أوضاعها الحالية؟ في منتصف التسعينيات، كانت الأوضاع الاقتصادية جيدة أي ارتفاع في النمو والإنتاجية وانخفاض في نسبة البطالة إلى 4%. كان التضخم في الوقت نفسه منخفضا، مما دفع الاقتصاديون إلى إطلاق وصف "الاقتصاد الجديد" على الأوضاع.

تغير الأمور بدأ من سنة 2000 عندما انهارت أسواق الانترنت والمعلوماتية، وتبين أنه لم يكن هنالك اقتصاد جديد بل أوضاع مختلفة. لم ترتفع أعداد القوة العاملة بل تدنت إنتاجية العامل. لتنشيط الطلب على المدى القصير منعا لحصول ركود، خفض المصرف المركزي الفوائد تشجيعا للاقتراض. لكن هذه السياسة لا تكفي على المدى البعيد حيث إن تحسين شروط العرض هو الحل المطلوب. تحتاج أمريكا إلى قوة عاملة أكثر وأكبر مع إنتاجية أعلى وهذا لم يحصل، كيف يمكن وصف الأوضاع اليوم ولماذا يحصل التعثر الاقتصادي؟

أولا: تحتاج أمريكا إلى يد عاملة جديدة منتجة. هذا لن يأتي بسبب سياسات الهجرة الضيقة المعتمدة خاصة منذ بداية القرن، لا تمنح أمريكا تأشيرات العمل حتى للكفاءات التي تنقصها والتي تحتاج إليها للنهوض والتطور. أجل الرئيس أوباما مشروعه بشأن الهجرة إلى ما بعد الانتخابات التشريعية المقبلة حتى لا تؤثر سلبا على النتائج. تحتاج أمريكا إلى سياسة هجرة جديدة ذكية تجذب الأفضل والأكفاء إليها. الأوضاع الأمنية العالمية الحالية تشجع الدول والمجتمعات على الانكفاء والانغلاق وهذا في غاية الخطورة.

ثانيا: تحتاج أمريكا إلى الإنفاق السخي على البنية التحتية والتعليم والتدريب لتعزيز الإبداع والابتكار والتجدد كما لرفع الإنتاجية. من الصعب أن يحصل في ظل العجز المالي الكبير.

ثالثا: تصل نسبة الضرائب على أرباح الشركات إلى 35% وهي مرتفعة جدا أي الأعلى في الدول الصناعية، بالإضافة إلى أن الدولة لا تحصل الكثير بسبب استفادة الشركات قانونا من التخفيضات والتوزيعات المتاحة.

رابعا: من مساوئ النظام الضرائبي الأمريكي أنه يفرض الضرائب على الشركات الأمريكية أينما كانت مصادر هذه الأرباح. معظم الدول الصناعية يعتمد العامل الجغرافي في أنظمته الضرائبية، أي يخضع للضريبة فقط الربح المحقق داخل الدولة. في أمريكا العامل الجغرافي غير موجود، وأرباح الشركات تخضع للضريبة عندما تحول إلى الولايات المتحدة. هذا يعني أن الشركات لا تحول إلى الداخل إلا القليل من الأرباح المحققة في الخارج. هنالك إحصاءات تشير إلى أن مجموع أصول الشركات الأمريكية في الخارج يتعدى ألفي مليار دولار أمريكي كان يمكن لأميركا أن تستفيد منها في الاستثمارات والاستهلاك الداخليين.

خامسا: النظام الضرائبي الجديد المعروف ب FATCA الذي أقر في سنة 2010 وبدأ تنفيذه منذ 1\7\2014. هدفه تحصيل الإيرادات الضرائبية التي تحتاج إليه الموازنات الأمريكية العاجزة. يمكن وصف القانون بالقاسي والصعب وغير العادل وغير المنطقي الذي يؤذي الأمريكيين أنفسهم. يفرض القانون على كل المصارف والصناديق والمؤسسات المالية عبر العالم إبلاغ جهاز الضرائب الأمريكي IRS عن أي حسابات أو أصول لمواطنين أمريكيين أو حتى للمقيمين كما للذين تربطهم علاقات اقتصادية قوية بأمريكا. هنالك عقوبات مالية وجزائية قاسية للذين لا يمتثلون للقانون، أهمها المقاطعة القاتلة في الظروف المالية الدولية الحالية. ينتج عن هذا القانون عاملان مضران جدا للأمريكيين، أولهما أن العديد من أصحاب الجوازات الأمريكية يتنازلون عنها، حيث تضاعف هذا العدد أربع مرات مؤخرا. النتيجة السلبية الأخرى هي أن العديد من الشركات العالمية يتجنب توظيف أمريكيين تهربا من المعاملات والإجراءات القاسية التي يفرضها القانون عليهم وعلى المؤسسات التي توظفهم. كما تتجنب المؤسسات والشركات التعامل مع أمريكيين كي لا تقع في فخ القوانين الضرائبية الجائرة. من المساوئ الإضافية أن القانون يلغي الخصوصية المالية التي بشر بها الأمريكيون منذ عقود وهي إحدى ركائز النظام الاقتصادي الحر. الغريب أن أمريكا ترفض إعطاء الدول الأجنبية معلومات بشأن مواطنيها في أمريكا وهي تطلبها منها بشأن الأمريكيين فيها.

ما المطلوب؟ طبعا التحول إلى المعيار الجغرافي، أي تفرض الضرائب على الأرباح والدخل المحققين داخل أمريكا فقط. المطلوب تطبيق سياسة المعاملة بالمثل، أي لا يمكن لأمريكا أن تطلب من دول أخرى حتى الغربية منها ما ترفض هي إعطاءها لها. أهمية هذا الواقع هو أنه يشير إلى ضعف الاقتصاد الأمريكي وبالتالي اضطرار الدولة الأمريكية إلى وضع وتنفيذ قوانين غير منطقية. لا يتمتع الدولار اليوم بالقوة الطبيعية كنقد لدولة عظمى بسبب القرارات والسياسات المتبعة التي تضر أحيانا بأمريكا نفسها. تبقى أمريكا قوية، لكنها تخسر اليوم الكثير من نفوذها بسبب الديون والقوانين وعدم التعامل بعدل ومنطق مع الغير بمن فيهم حلفائها.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"