بقلم : لويس حبيقة الأحد 21-09-2014 الساعة 01:43 ص

الاقتصاد الإيراني.. من العقوبات إلى التنمية

لويس حبيقة

تعتمد العقوبات دوليا لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية أو غيرها.. لم تكن النتائج باهرة حتى اليوم من ناحية تحقيق الأهداف، كما تشهد عليه العقوبات المزمنة ضد كوبا وكوريا الشمالية وغيرهما. معظم هذه العقوبات وضع من جانب واحد أو جانبين على الأكثر ولم يكن دوليا.

تعود العقوبات إلى الواجهة اليوم مع استمرارها فيما يخص الموضوع النووي الإيراني، كما تلك الحديثة جدا الموضوعة ضد روسيا من قبل أمريكا وأوروبا بشأن الوضع الأوكراني.

من المبكر دراسة نتائج العقوبات على الاقتصاد الروسي، إلا أن تقييمها على إيران أصبح ممكنا بعد سنوات من التطبيق المستمر. لا شك أن إيران أظهرت حيوية كبيرة وصمودا مدهشا في مواجهة العقوبات الدولية، إلا أن النتائج السلبية واضحة جدا وأهمها التضخم الكبير الذي تعاني منه البلاد.

يعتمد الاقتصاد الإيراني على العديد من القطاعات في مقدمها النفط. هنالك فترات مهمة ثلاث تصف تطور القطاع وبالتالي الاقتصاد بشكل عام.

في فترة 1908 \ 1959 كان الإنتاج النفطي مهما، إلا أن حصة إيران من الصادرات لم تكن كبيرة بسبب سيطرة الشركات الدولية العملاقة على الإنتاج والتسويق. حصل بعدها تأميم القطاع وتأسيس ما عرف بشركة إيران النفطية. تطورات الأوضاع في القطاع النفطي تعكس تغير العلاقات السياسية بين الدول الصناعية والدول النامية خلال زمن الاستعمار والاستغلال. في فترة 1960 \ 1978، حصلت تطورات كبرى في الأسواق نتيجة الأوضاع السياسية والأمنية والعسكرية الخطيرة في منطقة الشرق الأوسط التي ظهرت جليا في مقاطعة الدول الغربية نفطيا بسبب دعمها المطلق لإسرائيل. ارتفعت أسعار النفط وبالتالي ارتفعت الإيرادات النفطية الإيرانية من صادراته. الفترة الثالثة المهمة هي 1979 حتى اليوم، أهم أحداثها المعروفة حصول الثورة الإيرانية وانعكاساتها الكبيرة ليس فقط على المنطقة وإنما على العالم أجمع. حدثت أيضا الحروب مع العراق التي نزفت المنطقة كلها ليس فقط اقتصاديا وإنما سياسيا وأمنيا وعسكريا واجتماعيا ودينيا أيضا. وقعت العقوبات على إيران التي ما زالت تمنع عمليا إطلاق عمليات النمو في كل دول المنطقة.. لم يصبح النفط مهما في تنمية الاقتصاد الإيراني إلا بدءا من الستينات. هنالك وعي حقيقي لكيفية إنفاق أموال النفط وتأمين استقرار الإيرادات في ظروف تقلب كبير في الأسعار ظهر جليا عبر تأسيس صندوق لهذه الغاية كما فعلت النرويج منذ سنوات.

لماذا يهتم علم الاقتصاد بالخلافات والتطورات السياسية في العالم؟ هنالك أسباب عدة أهمها أن الخلافات التي تنعكس أمنيا وسياسيا تؤثر سلبا على التنمية. هنالك أهداف تنمية دولية وضعت من قبل الأمم المتحدة في سنة 2000 يجب الوصول إليها في سنة 2015 التي لم تعد بعيدة. بسبب الحروب المختلفة في كل بقاع الأرض، ما زالت الأهداف بعيدة المنال وبالتالي تستمر أوضاع الفقراء في التعثر وربما الانحدار في بعض الدول.. لا يعالج علم الاقتصاد الأسباب السياسية للتوتر، إنما يعالج انعكاس الخلاف السياسي والأمني على الأوضاع الاقتصادية وخصوصا الفقر. يهتم الاقتصاديون بالقرارات التي تتخذ لتحسين الأوضاع بحيث لا تسيء إلى الطبقات الشعبية والمناطق الريفية وبالتالي تجعل الأوضاع الأمنية والسياسية أسوأ.

ليست كل القرارات الاقتصادية صائبة، إنما المهم أن لا تسيء إلى الأوضاع إن لم يكن بالإمكان تحسينها. من ناحية أخرى، تحسن الأوضاع الاقتصادية يساهم بشكل مباشر في تخفيف حدة النزاعات السياسية والأمنية وبالتالي يمنع تفاقمها وامتدادها الجغرافي.

تؤثر الخلافات السياسية الداخلية كما الدولية والإقليمية على مستويات الفقر خاصة إذا انعكست على الأمن والسلام. تؤثر على هروب الناس من أماكن إلى أخرى أكثر تطورا حتى لو كانت التكلفة عالية. نشهد دوريا هروب عشرات وأحيانا المئات من مواطني دول المنطقة وإفريقيا وغيرها إلى الدول الغربية على ظهر سفن غير آمنة مما يحدث العديد من الضحايا المؤسفة.. يهرب المواطنون من الفقر واليأس ويحاولون الهروب إلى العالم الآخر في أستراليا وإيطاليا وغيرهما.. ما سبب الأوضاع التعيسة في دول المصدر؟ حتما الحروب والخلافات السياسية على كل شيء التي تنعكس موتا وفقرا. لابد لعلم الاقتصاد من أن يهتم بتحسين الأوضاع الاقتصادية في كل الدول بحيث تخف الهجرة القسرية المكلفة المفروضة على الفقراء.

من الناحية الإيرانية وبعد سنوات من العقوبات القاسية التي أحدثت وتحدث توترات كبرى ليس فقط في منطقة الشرق الأوسط وإنما عالميا أيضا، كيف يمكن تقييم النتائج؟

أولا: المدهش هو استمرار الاقتصاد الإيراني في تحقيق نسب نمو مقبولة بالرغم من العقوبات والحصار والضغط الخارجي الكبير. كان النمو إيجابيا أي 3% في 2011 \ 2012، لكنه انعكس انحدارا قدره 5,8% و1,7% في السنتين التاليتين.. لا يرتبط النمو فقط بالأوضاع السياسية وإنما أيضا بأسعار النفط المتقلبة. تشير توقعات صندوق النقد الدولي إلى عودة الاقتصاد إلى النمو بدءا من هذه السنة بسبب العلاقات المتحسنة بشأن النووي وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المحتجزة في المصارف الغربية.

ثانيا: يمكن اعتبار نسب البطالة مرتفعة بالمقياس الغربي أي في حدود 13% وهذا ليس بعيدا عما نشهده في بعض الدول الأوروبية في ظروف حالية عادية. قدرة الاقتصاد الإيراني على استيعاب عمالة عديدة في ظروف خطيرة هي حقا مدهشة، وربما تكون نسب البطالة مرتين أكثر في دول أخرى في ظروف مشابهة.

ثالثا: بالرغم من الظروف الصعبة، ما زالت نسب الادخار من الناتج أعلى من نسب الاستثمار.. هنالك سببان ممكنان، قدرة المجتمع على الادخار في ظل أسعار نفط ومواد أولية مرتفعة، وغياب الفرص الاستثمارية في ظروف تشنج كبيرة كادت تشعل حروبا في فترات عدة.

رابعا: إدارة الملف المالي جيد نسبيا أي أن العجز عندما حصل في بعض السنوات، كان محدودا جدا. هذا يشير أيضا إلى التقشف في الإنفاق في ظروف حصار اقتصادي صعب. في بعض الدول الأخرى وفي ظروف مماثلة، تفقد الدولة قدرتها على ضبط الإنفاق لتلبية الحاجات الشعبية، إلا أن هذا لم يحصل في إيران.

خامسا: ميزان الحساب الجاري فائض بفضل الصادرات النفطية التي استمر جزء منها. بلغ فائض الحساب الجاري 60 مليار دولار في سنة 2011 \ 2011 وانحدر إلى ما بين 20 و30 مليار دولار في السنوات اللاحقة. مكن هذا الواقع المصرف المركزي الإيراني من رفع الاحتياطي النقدي إلى مستويات مدهشة تقارب المئة مليار دولار.

إذا اعتبرنا ما سبق إنجازات ضمن الظروف الصعبة، لابد من التنويه بقدرة المجتمع الإيراني على المواجهة والتضحية. هذا طبعا ليس كل شيء، إذ هنالك معاناة اجتماعية ومعيشية يمكن وصفها بعاملين مترابطين هما التضخم وسعر صرف النقد.. بلغ مؤشر أسعار الاستهلاك 20% في سنة 2011 \ 2012، 41% في السنة التالية و22% فيما بعد وهذه النسب مرشحة للاستمرار.. انحدر سعر صرف النقد إلى النصف بدءا من سنة 2012 مما يشير إلى تدني أوضاع الفقراء والأحوال المعيشية بشكل عام. هنالك وجع كبير ربما لا يظهر إلى العلن، لكنه حكما موجود ولابد من انتظار الفرج بعد الاتفاق النووي النهائي. يحصل التضخم المرتفع بسبب العقوبات وارتفاع أسعار المحروقات كما بسبب السياسة النقدية المنفلشة التي رفعت الكتلة النقدية كثيرا بدأ من سنة 2012. لا يمكن لأحد أن ينكر وجود فساد يتعزز إجمالا في الظروف الصعبة على حساب الفقراء، ويستفيد منه بعض السياسيين كما أصحاب الأخلاق السيئة.. في مؤشر الشفافية العالمية، تقع إيران في المرتبة 144 من أصل 175 دولة تم تقييم فسادها وهذا متدن جدا ويجب معالجته.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"