بقلم : لويس حبيقة الأربعاء 24-09-2014 الساعة 12:49 ص

الاستقامة ركيزة الاقتصاد الناجح

لويس حبيقة

هنالك صراع فكري عالمي قديم حول جدوى الاستقامة العملية في الحركة الاقتصادية. هل الاستقامة مفيدة وتؤدي إلى النجاح وتحقيق الأرباح، أم على العكس تعرقل المسيرة وتؤخر المستقيمين تجاه من لا يعتمد الأخلاق في تصرفاته. ظهر هذا الصراع علنيا مع أزمة 2008 حيث انفضحت نتائج الممارسة السيئة بل غير الأخلاقية والخاطئة في الاقتصاد الدولي. أزمة 2008 كانت قبل كل شيء أزمة أخلاق وسوء تصرف وعدم استقامة، قبل أن تكون أزمة مالية واقتصادية. إذا كانت الممارسات خاطئة، فهل تعلم العالم منها؟ لا تشير الوقائع إلى الاستفادة من تجارب الماضي السيئة. مفهوم الاستقامة ما زال غير معتمد في قطاع الأعمال، خاصة في الدول النامية، رغم الإجماع حول ضرورته.

إذا كانت الممارسات غير الأخلاقية مفيدة لبعض الأشخاص الذين يمارسونها، فهي حكما مضرة بالمجتمع ككل ويجب تجنبها. تقول "أنا برناسيك" في كتابها عن الموضوع إن المطلوب هو فهم فوائد العلاقات الجيدة في المجتمع التي تبقى أفضل من الأنانية المضرة التي أسهمت في خلق الأزمات السابقة. تقوية العلاقات في المجتمع تساهم في تكبير حجم الاقتصاد وخلق منافع أكبر بكثير للجميع. يجب إعادة بناء الثقة في المجتمعات التي ستقوي الاقتصاد خلال العقود المقبلة. الاستقامة هي كالأوكسجين الذي لا نعرف قيمته إلا عندما يتوقف.

بسبب الجشع الممارس دوليا في كل الأعمال، حصلت أزمات كبرى وقع ضحاياها الفقراء والمغامرون كما المجتمع عموما. لذا يجب بناء ثقافة الثقة من جديد بدءا من العائلة والمدرسة والجامعة وصولا إلى المجتمع عموما والأعمال خصوصا. هنالك استثمار في الثقة والأخلاق والاستقامة مطلوب من الجميع، لأنه الطريقة الفضلى ولأن تجارب الماضي كانت مكلفة. يجب أولا وطبعا أن يقتنع المجتمع بأهمية الاستقامة وضرورة اعتمادها في الحياة كوسيلة فاعلة للنجاح والتطور والتقدم.

لا يمكن فرض مفهوم الأخلاق على المجتمعات، فهذا لن ينجح. القبول بالتصرف المستقيم من قبل الجميع يساهم مع الوقت في خلق ثروات عامة وفتح آفاق جديدة لم تكن ظاهرة. من أخطاء السياسات العامة فرض قيود قانونية وإجرائية على الاقتصاد الحر، بدل محاولة بنائه من جديد أي خلق اقتصاد سليم لا يحدث أزمات كل عقد من الزمن. تقيد هذه القوانين حرية الاقتصاد، لكنها لا تساهم في تغيير تصرفات الإنسان الذي يحاول التلاعب عليها بل خرقها في سبيل الربح السريع. الاستقامة هي البنية التحتية الخفية للمجتمع وهي مصدر الثروة الحقيقية الدائمة. لا يمكن شراء الاستقامة وبيعها، فهي تنبع من داخل الفرد والمجتمع وتقوى مع الوقت لكنها هشة وسهلة الانكسار ويمكن خسارتها بسهولة.

من ناحية أخرى، ممارسة الاستقامة من قبل قطاع الأعمال أساسي ويرتكز على الشفافية والمحاسبة ونوعية القواعد المتبعة. تعتمد الاستقامة تجاه الزبائن بحيث تعطي لهم كل المعلومات وتحترم حقوقهم ويتم إصلاح الخطأ والتعويض عنه. ما هي الدروس التي يمكن استخلاصها من تجارب الماضي؟ هل يمكن الاستفادة منها لبناء مستقبل أفضل؟

أولا: الدرس الأقسى من أزمة 2008 هو أن الاستقامة ضرورية ومفيدة ليس فقط من ناحية الأخلاق وحسن التصرف وإنما أيضا اقتصاديا. تشير التجارب الفردية إلى أن الأشخاص الذين يخالفون قواعد الأخلاق يستفيدون ماديا، إلا أن هذه الممارسات عندما تعتمد من عدد كبير من الناس تسيء إلى المجتمع. هنالك نوع من القناعة في المجتمعات وهي أن الذي يعمل بأخلاق يخسر، لكن تجارب الأعمال تشير إلى أن الشركات الناجحة عالميا هي التي احترمت زبائنها ومارست أعمالها وإنتاجها وتسويقها ضمن معايير الاستقامة والأخلاق. كما أن أهم رجال وسيدات الأعمال هم من الذين اعتمدوا مسيرة الاستقامة. هذا لا يعني أن ليس هنالك أشخاص فاسدون أغنياء، لكن الأكثرية هي التي اعتمدت الاستقامة لاستمرارية النجاح. ليس المهم فقط تحقيق الثروة، إنما الأهم هو الاستمرارية من جيل إلى آخر، وهذا صعب إذا لم يرتكز على الاستقامة. في كل حال، المجتمعات تميز جيدا بين المستقيم وعكسه، حتى لو لم يتكلم الناس علنا عنهما.

ثانيا: يمكن اعتماد الاستقامة كنوع من الأصول التي تفيد اقتصاديا، تخلق أجواء صالحة فتخفف البطالة وتحفز النمو وترفع من مستوى الفعالية والإنتاجية. الاستقامة هو مبدأ عام وطريقة عمل ومنهجية فاضلة ومفيدة، بل يجب أن تكون هدف كل مجتمع يسعى إلى التقدم والغنى والسيطرة على الفقر.

ثالثا: الاستثمار في الاستقامة لا يعني فقط معاقبة المخلين بالأخلاق والقواعد، بل خلق الأجواء المناسبة لتحقيق الثروة ليس لأفراد بل للمجتمع. هنالك فارق كبير بين نظام الاستقامة والأنظمة الاشتراكية التي تدعو إلى توزيع عادل للثروة وربما للدخل أحيانا. نظام الاستقامة يسمح للأفراد والجماعات بأن يحققوا الثروات ضمن قواعد حسن التصرف تجاه الغير والدولة.

رابعا: رغم غياب الأخلاق عموما في مجتمعاتنا، إلا أن هنالك العديد من أوجه الثقة الموجودة في الحياة اليومية والتي نعتبرها عادية بل لا نفكر بها. مثلا، عندما نشتري العديد من المواد الغذائية من الأسواق، نستهلكها دون أن نفكر في جودتها كالحليب. شراء المادة ضمن تاريخ الصلاحية لا يعني بالضرورة أنها صالحة حكما. هنالك عامل الكهرباء التي تنقطع، كما مولدات الكهرباء التي تنطفئ فجأة كما وسائل المحافظة والتخزين التي لا تحترم وغيرها. نستهلك هذه السلع من معلبات دون أن نأخذها إلى المختبر وبالتالي نمارس الثقة حتى لو لم نفكر بها أو نكون مقتنعين كليا بتوافرها. من دون هذه الثقة الخفية، يتوقف النشاط الاقتصادي كليا في المجتمع لأنها الحد الأدنى المطلوب للاستمرارية.

خامسا: هنالك واقع وهو أن كلما فتشنا عن الاستقامة في المجتمع، نجدها في العديد من القطاعات منها الغذاء والسيارات والمصارف وشركات التأمين وغيرها. عندما نشتري سيارة جديدة، نرتكز على ثقتنا بالمنتج ونقودها مع أطفالنا وأولادنا وربما نعرضهم للخطر إذا لم يكن المنتج جيدا. هنالك حوادث كبيرة نتجت عن استعمال السيارات، إلا أن الفارق بين شركة وأخرى هو مدى اهتمامها بالخلل الذي حصل وإصلاحه والتعويض عن المتضررين كما الاستفادة مما حصل منعا للتكرار. عندما نستعمل بطاقات الاعتماد للشراء أو للحصول على النقد، نركز على ثقتنا بحسن الخدمة حتى لو لم نكن متأكدين من حسن سير التجربة. عندما نشتري بوليصة تأمين، نعتمد على الثقة بالشركة التي ستعوض علينا في حال حصلت الخسارة. من دون هذه الثقة الداخلية يتوقف النشاط الاقتصادي في كل الميادين، إذ لا يمكن التأكد أو التحقق من كل سلعة نشتريها كبيرة كانت أو صغيرة، مكلفة كانت أم رخيصة الثمن. الاستقامة هي استثمار في الحياة وهي مفيدة اقتصاديا.

من السلع التي استحوذت على ثقة الناس منذ قرون هي الذهب الذي يستعمل لحاجات مختلفة منها طبية وتزيينية ويتم تخزينه في المصارف المركزية حيث تكمن ثقة المواطن. لماذا نثق بالذهب وبالمصارف المركزية التي تحافظ عليه؟ لماذا نثق بهذه السلعة ذات القيمة النفسية الكبيرة رغم أنها لا تنتج كثيرا كبعض المعادن الأخرى؟ هنالك ثقة مبنية على استقامة المصارف المركزية وممارستها للأدوار المطلوبة منها لفترات طويلة ضمن القوانين والمنطق. لماذا تقرض الدول والمصارف مثلا بعض الحكومات ولا تقرض غيرها. هنالك ثقة في بعض الدول تشجع المقرضين على إعطائها الأموال. تبنى الثقة على حسن الممارسة والقيام بالتسديد في الأوقات المتفق عليها، أي على الصيت الحسن والممارسة الفضلى.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"