بقلم : د. محمد علي الهرفي الثلاثاء 07-10-2014 الساعة 01:08 ص

التشرذم العربي هل يصلحه الحج والعيد؟!!

د. محمد علي الهرفي

نعرف أن الحج أحد أركان الإسلام الخمسة، ولا يتم إيمان المسلم إلا إذا حج مادام قادرا على ذلك مع زوال كل الأسباب التي تحول بينه وبين الحج.

ونعرف أيضاً أن عيد الفطر يأتي بعد أداء فريضة الصيام التي هي ركن من أركان الإسلام، كما أن عيد الأضحى يأتي بعد أداء فريضة الحج وهي أيضا من أركان الإسلام الخمسة، ونفهم بداهة أن المسلمين يحتفلون بهاتين المناسبتين شكرا لله الذي وفقهم لأداء هذين الركنين ويسألونه الرضى والقبول.

إن الإسلام في مجمله ركز على حسن العمل، فكل العبادات لا تكفي ما لم يؤد المسلم حقها بصورة عملية على أرض الواقع، فالحج يفرض على المسلم أداء نوع من العبادات العملية في أماكن محددة وأوقات محددة ولكن كل ذلك لا يكفي وحده؛ فأهداف الحج كثيرة ومن أهمها وأكثرها نفعا للمسلمين وللإسلام هو السعي لتوحيد المسلمين وجمع كلمتهم، ليكونوا خير أمة أخرجت للناس كما أراد الله لهم أن يكونوا؛ ولتعود لهم عزتهم وكرامتهم، وليحققوا إرادة الله لهم وهي نفع البشر جميعا وتحقيق الأمن والأمان لهم.

في الحج تتمثل وحدة المسلمين بصورة عملية، فكلهم يلبسون اللباس نفسه، ويؤدون نفس العبادات في ذات الأمكنة، وربما تلهج ألسنتهم بنفس الأدعية ولربهم الواحد الأحد.

ويأتي العيد ليؤكد على أهمية تلاحم المسلمين وأهمية وحدتهم؛ فهم - وفي كل بلادهم - يجتمعون بعضهم مع البعض الآخر، ويتفقد غنيهم فقيرهم، وكبيرهم صغيرهم، ويتزاورون فيما بينهم بغض النظر عن اختلاف المذاهب والأديان، ويتبادل حكامهم التهاني والتبريكات بهذه المناسبة السعيدة، وكل ذلك يقرب فيما بينهم، وهذا من أهم معاني العيد كما أنه من أهم معاني الحج في الوقت نفسه.

هذه الوحدة التي نراها في أيام الحج كما نراها في أيام العيد لابد من العمل على تحقيقها في واقع المسلمين طيلة أيام السنة بل طيلة الدهر لأنها من أسس دينهم وعقيدتهم لاسيَّما في أوقات الضعف والتفرق كما هو عليه الحال في أيامنا هذه.

إن الناظر في وضع البلاد العربية يرى بوضوح مدى الضعف الذي تمر به، فلا تكاد تجد دولة عربية تخلو من مشاكل داخلية تكاد تعصف بها، فمن ليبيا إلى مصر وسوريا والعراق واليمن والصومال ولبنان حيث نرى اقتتالا داخليا رهيبا وأعمالا إرهابية وتدخلا خارجيا أدى إلى إضعاف تلك الدول كلها وجعلها معرضة لكل أنواع المخاطر، ودول الخليج هي الأخرى لا تخلو من مشاكل داخلية وتهديدات خارجية مع تفاوت فيما بينها في حجم هذه المشاكل وطبيعتها!! وهنا لابد من التأكيد على الحالة البحرينية لأنها في رأيي هي الأكثر خطورة لأنها تعتمد على الطابع المذهبي وهو الأخطر عادة، وقد كتبت عن هذا الموضوع أكثر من مرة وأوضحت أن العدالة بين جميع مكونات الشعب هي السبيل الوحيد لتحقيق الأمن والاستقرار في البحرين فالسني والشيعي هم مواطنون لا فرق بينهما، وما يتمتع به السني في البحرين يجب أن يتمتع به الشيعي سواء بسواء وهنا يحدث الاستقرار للجميع وتمضي الدولة في تقدمها من كل الوجوه.

الحالة اليمنية بدأت تأخذ طابعا مذهبيا بشعا وغريبا على اليمن، وبدأ أمنها يختل وبصورة سريعة والقادم أسوأ بكثير إن لم يتم تدارك الأمر وقبل استفحاله، ومسؤولية دول الخليج هنا أكثر من غيرها لأن الحوثيين إذا تمكنوا من اليمن فإنهم سيشكلون خطرا حقيقيا على الخليج خاصة على المملكة العربية السعودية.

إن حالة دولنا العربية - التي أشرت إليها - أغرت أعداءها باستغلال ثرواتها بأبخس الأثمان، كما أن بعض هؤلاء الأعداء يريدون تركيعها لتكون مطية للصهاينة يعملون من أجل الدفاع عنهم سواء أكان هذا الدفاع بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وأسوأ ذلك إضعاف روح المقاومة والجهاد ضد الصهاينة وأيضا الصمت على جرائمهم التي يرتكبونها ضد الفلسطينيين.

الحج والعيد فرصة حقيقية لكي يفكر قادة المسلمين وعلماؤهم وأثرياؤهم في وضع خطوات عملية قابلة للتطبيق تقرب المسلمين بعضهم من البعض الآخر، وتزيل الاختلافات التي بينهم، وتجعلهم يستخدمون ثروات بلادهم وعقول أبنائهم فيما يقويهم ويجعلهم قادرين على حماية أنفسهم وتحقيق الأمن والرخاء لشعوبهم. وفي ظني أن هذا ممكن التحقيق ولكنه لن يتحقق إلا إذا تجرد الحكام من الأطماع الشخصية وأحلوا مكانها مصالح بلادهم وشعوبهم وآمنوا أن شعوبهم هم سندهم الحقيقي وليس العدو الخارجي الذي يظنونه قريبا منهم ولكنه يلفظهم إذا أدوا مهمتهم ويبحث عن سواهم والشواهد التي رأيناها كثيرة. وإلى جانب الحكام يجب أن يقف المثقفون ورجال الإعلام وسواهم.

لست في حاجة إلى التذكير بأن تحقيق شكل من أشكال الوحدة بين المسلمين ليس مستحيلا، فقد كانوا موحدين وفي دولة واحدة ولمئات السنين وعندما أدرك الغرب خطورة هذه الوحدة عليه ومن واقع تجارب كثيرة عمل على تفتيتها ونجح بعد محاولات متعددة حيث استطاع إسقاط الخلافة العثمانية، ومن ثم احتلال مجموعة من بلاد المسلمين، وتفتيت مجموعة أخرى، وكلنا سمع ما تردده بعض الدوائر الغربية والأمريكية عن وجود نوايا لتمزيق دول أخرى وكأن التمزيق السابق لم يرو ظمأهم ولم يحقق أهدافهم الاستعمارية الخبيثة فسعوا إلى زيادة ذلك التمزيق ليزيد ضعفهم ضعفا.

وإذا كنا ندرك صعوبة الوحدة بين دول العرب أو حتى مجرد التفكير فيها حاليا لأن أمامنا تجارب مؤلمة في هذا الاتجاه وآخرها ما حدث بين دول الخليج فإننا نأمل أن تتصالح كل دولة مع شعبها - أولا - ثم إيجاد نوع من التعاون بين دول العرب من جهة وبينها وبين الدول الإسلامية من جهة أخرى - ثانيا - لأن ذلك يصب في مصلحتهم جميعا وربما هو الذي يحميهم من أعدائهم الذين يتربصون بهم.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"