بقلم : خالد وليد محمود الجمعة 10-10-2014 الساعة 01:25 ص

لم يتبق من عروبة القدس إلا القليل!

خالد وليد محمود

يوميات مؤلمة لزهرة المدائن، تمر أمام أعيننا كشريط ونحن عاجزون عن وقفه أو تأخيره. لا جديد لدينا غير شجبنا وإدانتنا وتنديدنا والإعراب عن قلقنا بشكل لم يجلب يومًا نفعا ولا ضرًا... مناشدات المجتمع الدولي والأمم المتحدة وأمريكا بالتدخل العاجل والفوري لم تجد نفعًا على مدار ستين عامًا ويزيد. المشهد يتكرر ذاته، لا شيء يدفع على الاعتقاد بأن شيئًا سيتوقف أو أن أحدًا سيلجم إسرائيل ويضع حدًا لغطرستها. والكل على دراية عميقة بما تخطط له لتهويد القدس، وتدمير الأقصى، وبناء الهيكل المزعوم على أنقاضه.

إنّ عملية التهويد والأسرلة التي تتعرض لها مدينة القدس وما حولها حرب تتوالى فصولها، وفي كل يوم يمضي تشتد الهجمة الاستيطانية وتستعر من قبل جلاوزة الاحتلال وقطعان مستوطنيه، وما من شمس تغيب أو تشرق حتى يهدم فيه بيت فلسطيني وتصادر أراض ويشيّد على أنقاضها كنيس أو مستوطنة أو حديقة تحمل اسمًا توراتيًا عبريًا. وما من يوم يمر حتى نرى جرافات الاستيطان تقتلع الأخضر واليابس في حي مقدسي، تقطع أوصاله ويحرق فيه الشجر والحجر ليبنى عليه حي استيطاني بأكمله وتغير ملامحه العربية الإسلامية.

قامت إسرائيل خلال الخمسة عشر عامًا الماضية بإغلاق حوالي ستين مؤسسة تعنى بالأمور الأكاديمية والطبية والاجتماعية في القدس! من يتذكر "بيت الشرق" الذي تم إغلاقه وإعادة احتلاله وإنزال العلم الفلسطيني عنه، وكيف تمت تصفية وجود السلطة الوطنية الفلسطينية هناك، والقضاء على كل مظاهر السيادة الفلسطينية في القدس الشرقية المحتلة وطمس كل الآمال لدى الفلسطينيين بإمكان جعل المدينة عاصمة لدولتهم العتيدة؟!

تدرك حكومة الاحتلال جيدًا ماذا تفعل وماذا تريد وأين تمضي، فهي تنفذ مشاريعها الاستيطانية لخنق المدينة وإفراغها من أهلها وتغيير معالمها. ولا تألُو جهدًا أو مناسبة لإيصالها رسائلها للعالم أجمع أن القدس جزء لا يتجزأ من سيادتها، وأنها عاصمة داود وسليمان وعاصمة الشعب اليهودي، وهي تريد عبر الاقتحامات المتوالية أن تثبت الدعاية اليهودية التاريخية، التي تزعم أن الهيكل موجود أسفل المسجد الأقصى. والعمل على إزالة معالم المدينة المقدسة، وتزوير تاريخها وتراثها.

نكتب هذه الحقائق والألم يعتصرنا، فرجاءً دعونا ألا نضحك على ذقون بعضنا البعض، إن كل ما يجري في القدس من تهويد واقتلاع وأسرلة... إلخ، يتم بموافقة ضمنية من معظم الأنظمة العربية الرسمية بسبب سكوت وخنوع هذه الأنظمة التي لم يكن يومًا بجعبتها سوى لغة التنديد والاستنكار ووعود الدعم!

بمناسبة الحديث: أين الملايين التي رصدت للقدس والمقدسيين؟ أين المليارات التي نذرها الحكّام لعيون المدينة في قمم عربية عديدة؟ أين الصناديق واللجان المقدسية والمؤسسات العربية التي أقيمت من أجل زهرة المدائن؟ أين أثرياء فلسطين؟ كلنا يعرف بأن الذي ينفقه واحد من أثرياء العرب في شهور على نوادي القمار، وعلى الليالي الحمراء كفيل بدعم عشرات الأسر في القدس وتدعيم صمودهم، والذي ينفقه ثري واحد (ملياردير) على أحد السهرات الماجنة كفيل بدفع كل الضرائب وربما الغرامات المترتبة على المحال التجارية هناك! المؤسف حقًا أن نرى بالمقابل أثرياء اليهود يغدقون ملايين الدولارات في تلك المدينة وما حولها لتدعيم التمدد الاستيطاني التهويدي، هناك ملياردير يهودي واحد (موسكوفتش) يتبرع سنويا لإسرائيل بمليار دولار لتنفيذ مشارعها بالقدس المحتلة، دون أن نلمس مساعي عربية جدية وجادة لإنقاذ المدينة أو التضامن معها بالشكل المطلوب وبإستراتيجية مغايرة لما اعتدنا نحن العرب والمسلمين عليه من دعم مالي لم يصل منه إلا النزر اليسير لصناديق القدس والأقصى التي أعلن عنها عشرات المرات وفي قمم عربية كثيرة!

الصلف الإسرائيلي بلغ مداه في تحدي العرب والمسلمين وفي تحدي العالم بأكمله، إذ كلما أدان العالم أو شجب خطوة استيطانية عمدت حكومة نتنياهو إلى الرد بخطوة تصعيدية أكبر وكأنها تقول للأمم المتحدة والمجتمع العالمي لا يعنينا ما تقولون بل يعنينا ما نعمل!!

يبدو أن القدس ليس على رأس جدول أولويات أحد، بما في ذلك القوى الفلسطينية الفاعلة. وكم يعتريني الخجل وأنا أشاهد بعض الفضائيات العربية السادرة في غوايتها وهي تقدم برامج منحطة وتروج لسلع رخيصة، وما يجري في الأقصى ليس أكثر من نشرة أخبار عادية وكأن أحداثها تقع في المريخ!

لقد آن الأوان لاجتراح إستراتيجية شاملة لتدعيم صمود المقدسيين، من خلال خلق تغيير في النهج الفلسطيني والعربي للتعامل مع السياسات الاحتلالية الإسرائيلية التوسعية. لا نطالب هنا – معاذ الله – بتحريك الجيوش لتحرير القدس، فهذا شرف لم نعد نتجرأ بالاقتراب منه أو التحدث عنه، ولكن كل ما نطالب خطوات عملية بدايتها أن تجمع الأمة أمرها وتنسى خلافاتها وأن ترقى إلى مستوى الحدث الخطير الذي تتعرض له القدس هذه الأيام، وتتخذ قرارات جماعية قادرة على لجم الاحتلال قبل أن تصحو ذات يوم وقد هدم الأقصى ونضرب كفًا بكف ونقول على القدس السلام!

نعترف، وبكل ألم وحسرة، أن المسألة في غاية الخطورة ولا تحتمل التأجيل والتسويف، فإسرائيل تخوض آخر معارك تهويد وأسرلة مدينة القدس وأكنافها، والأخيرة مازالت عنوانًا لآخر احتلال عنصري استعماري على وجه البسيطة، ولم يتبق من عروبة هذه المدينة المقدسة إلا القليل القليل.. فماذا نحن فاعلون؟.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"