بقلم : د. محمد علي الهرفي الثلاثاء 11-11-2014 الساعة 01:25 ص

حسينية الدالوة ولعبة الارهاب !!!

د. محمد علي الهرفي

هل أصبح الإرهاب لعبة هذه الأيام؟! ربما أراده البعض كذلك، لكنه استجاب لهم في البداية ثم استعصى عليهم بعد ذلك فأصبح غصة في حلوقهم!!

لعبة الإرهاب الحقيقية بدأت عام ٢٠٠١م وكانت أمريكا هي اللاعب الأساس فيها، بدأتها باحتلال أفغانستان ثم العراق، وكانت طبيعة هذه اللعبة تقتضي قتل عشرات الآلاف من المسلمين، وهدم بيوتهم فوق رؤوسهم إذا اقتضت قواعد اللعبة ذلك، كما أن الأمر كان يقتضي جر بعض البلاد العربية وغير العربية للمشاركة في هذه اللعبة كي تبدو مكتملة الاركان وقوية البنيان!!

وجدت أميركا وفي بداية تشكٌل لعبتها أن اللعب على أوتار الطائفية العمياء قد يخدمها كثيرا ويجعل مهمتها في احتلال العراق وأفغانستان أكثر سهولة وأمنا لها ولقواتها الغازية!! وبدأ الحاكم الفعلي للعراق آنذاك (برايمر) بوضع قواعد لعبة الطائفية ومن ثم تجربة هذه اللعبة على أرض الواقع!! وقد سمعت آنذاك - وعلى سبيل المثال - عراقيا يقول: عندي ولدان أحدهما عمر والآخر جعفر، وأنا أخشى على عمر من القتل إذا مرٌ من حارة شيعية كما أخشى على جعفر من الفتل إذا مر بحارة سنية!! وكان الحل لديه - كما قال - أن يودع كلا منهما عند أخواله حتى تنفرج الغمة!! ومن ذلك الوقت وحتى اليوم ونحن نسمع عن تفجيرات في الحسينيات وفي مواكب العزاء يقوم بها بعض السنة كما نسمع في الوقت نفسه عن تفجيرات في مساجد السنة يقوم بها بعض الشيعة، وما زال الأمر هكذا حتى اليوم.

العراق ومنذ مئات السنين وهو يعيش حالة انسجام تام بين سنته وشيعته، وبينهما تزاوج وتآلف وتعاون منقطع النظير فما الذي حدث حتى إنقلبت الأمور فجأة فأصبح الوضع مؤلما مبكيا لا يطاق؟ هل هي مناهج العراق الدينية أم قنوات التحريض أم المساجد والحسينيات؟!! في اعتقادي أن الأمر غير ذلك تماما!!

عدوى العراق انتقلت إلى باكستان وبدأت أعمال القتل والتفجير - ولم تكن هذه معروفة من قبل - ومارسها السنة والشيعة وإن كان السنة أكثر بحكم كثرتهم العددية قياسا للشيعة!! وهنا أعيد طرح السؤال مرة أخرى: هل مناهج التدريس في باكستان لها علاقة بالاقتتال الطائفي؟! وهل يتابع الباكستانيون قناة وصال أو قناة فدك؟! قطعا لا!! فالأمر مختلف جدا والاسباب غير ذات الاسباب التي يرددها بعض السعوديين في بلادنا خاصة بعد حادثة الدالوة المحزنة.

والدالوة قرية صغيرة في شرق الاحساء كانت تمارس طقوسها المعتادة كل عام بمناسبة استشهاد الامام الحسين عليه السلام وفي ليلة العاشر من محرم الحرام وقريبا من منتصف الليل هاجم بعض الإرهابيين حسينيتها فقتلوا مجموعة من أهلها وجرحوا مجموعة أخرى ثم فروا هاربين!! هذا الحدث كان بشعا ومؤلما، ولعل حدوثه لأول مرة في تاريخ المملكة العربية السعودية كان مصدر الألم والاستنكار والخوف أيضا!! هذا الحادث طرح أسئلة عديدة كان من أهمها: ماهي الأهداف الحقيقية التي أرادها المجرمون وهل ستتحقق؟! ثم هل سيكون هذا الحادث هو الأخير أم أن في ذهن أولئك القوم خطط أخرى بغية تحقيق مآربهم!!

وهنا لابد من القول: أنه وحتى كتابة هذا المقال لم تعلن وزارة الداخلية عن القبض على الفاعل الحقيقي للجريمة، وإنما كانت كل إعلاناتها أنها قبضت على مجموعة لهم علاقة بالجريمة، وهذا يتطلب عدم الاستعجال في طرح التهم هنا أو هناك حتى تتضح الحقيقة وإن كنا جميعا نتفق على بشاعة الجريمة وأن من قام بها مجرم يجب أن ينال عقابه.

ردة فعل أهالي المتوفين وكذلك أهالي الدالوة خاصة ثم كل شيعة السعودية كانت إيجابية إلى حد كبير، فهؤلاء ادركوا أن مواطنيهم السنة بريئون من هذه الجريمة فهم يعرفونهم حق المعرفة، كما أن السنة في السعودية كلها أثبتوا أنهم مع اخوانهم في الدالوة ضد تلك الجريمة النكراء والوقائع التي تلت تلك الجريمة وإلى هذه الأيام تؤكد ماأشرت اليه.

ولكن يبقى السؤال الأهم: ماذا يريد المجرمون من ارتكاب جريمتهم؟ وهل سيعيدون الكَرّة مرة أخرى مادامت أهدافهم لم تتحقق؟! الواضح للعيان أنهم كانوا يريدون إحداث فتنة طائفية بين السنة والشيعة في السعودية ربما على غرار مايحدث في العراق أو باكستان، لكنهم جهلوا أن الوضع في السعودية مختلف كثيرا عما يحدث هناك، ولكن جهلهم - الذي نعرفه نحن - قد لا يعرفونه هم وهنا لا بد من الاحتياط من تكرار تلك الفعلة وإن كانت بصور مغايرة.

وأسأل مرة أخرى: هل كانت المناهج الدراسية وخطباء الجمعة والحسينيات وقنوات التحريض حاضرة في هذا المشهد الدالوي المحزن؟! أقول: هذه كلها لها تأثير دون شك ولكنها ليست هي السبب وحدها فيما جرى، وما قلته عن العراق شاهد على ذلك!

وإذا كان السنة والشيعة جادون فعلا في تجاوز هذه الأزمة التي تضخمت وتورمت بعد أحداث ٢٠٠١ م وبمساعدة مافعله ويفعله الأميركان في العالم العربي فيجب أن يناقشوا الأمور والاسباب بكل صراحة وجدية!! فالكلام المعسول لا يكفي وحده وقد سمعنا مثله كثيرا ولكنه لم يوقف نزف الدماء على الإطلاق وانما مد جذوره الخبيثة إلى السعودية!!

أعتقد أن الاسباب السياسية التي مرت بها بلادنا العربية بعد الاحتلال الأميركي للعراق وأفغانستان ثم مايجري هذه الايام في سوريا والعراق وفلسطين هو الدافع الأهم لكل مانراه ونسمعه!! يخطئ من يظن أن تلك الأحداث لا تؤثر على الواقع السني والشيعي في السعودية والبحرين بل وفي كل بلاد المسلمين عامة!! ويخطئ من يظن أن الجرائم التي ترتكبها إسرائيل في فلسطين في ظل الدعم الأميركي لها، وكذلك قتل الأميركان للابرياء سواء في العراق او سوريا او اليمن او أفغانستان ليس لها علاقة بما يجري بين السنة والشيعة!! فالعقلية السنية ترى أن على الشيعة أن يستنكروا ذلك وهم لا يفعلون، وعقلية المتطرفين ترى أن محاربة السنة والشيعة واجب شرعي لأنهم يقفون مع الكفار، كما يرون أن احداث خلل امني مهما كان نوعه سواء في دول الخليج أو غيرها هو محاربة للأميركان لأنهم يعتقدون أن حكام هذه الدول يصطفون إلى جانب الأميركان فكل خسارة تحدث فهي بزعمهم خسارة للأميركان!!

لعبة الإرهاب مارستها بعض الدول مع شعوبها - وهذه هي الاخطر - فكل من يراد التخلص منه - لأي سبب - يمكن وصفه بالإرهاب، وهذه التهمة أصبحت من التهم المقدسة!! بمعنى إذا قيل إن فلانا إرهابيا فلا يجوز لأحد أن يناقش الأمر أو يتاكد من مصداقيته، وفي بعض الأحيان فالسائل قد يصبح هو الآخر إرهابيا!! هذا الواقع أوجد إرهابيين كثر ردة فعل عما شاهدوه من ظلم لحق بمن يعرفون براءته مما نسب اليه.

واقع الإرهاب معقد إلى حد كبير ولكن التعامل معه ليس مستحيلا إذا حسنت النيات من كل الأطراف ومن كل الحكومات فهو ليس أصلا في ديننا ولا في ثقافتنا، والذين يعتقدون أنهم سيحققون بعض المصالح إذا استخدموا لعبة الإرهاب فهم واهمون بلا ريب!! قد تتحقق مصالحهم بعض الوقت لكنه سينقلب عليهم حتما وسيذوقون ويلاته.

البحرين تستضيف هذه الايام مؤتمرا حول مكافحة تمويل الإرهاب ويشارك فيه مجموعة من الدول ومن المنظمات الإقليمية والدولية وكذلك جامعة الدول العربية ودول مجلس التعاون، وأتمنى النجاح لهذا المؤتمر، ولكنه - ولكي ينجح - لا بد له من مناقشة كل الاسباب التي تقود إلى الإرهاب والمال جزء بسيط منها، لا نريده أن يكون مثل عشرات المؤتمرات التي عقدت ولم يتحقق منها شيئ!! تشخيص المرض بدقة هو الذي يقود إلى العلاج الصحيح وبدون ذلك سيبقى الإرهاب يضرب بأطنابه هنا وهناك وسنبقى نتحدث عنه المرة تلو الأخرى ثم ننسى ماقلناه حتى نتفاجؤ بكارثة جديدة وهكذا دواليك.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"