بقلم : د. صلاح الدين سلطان الأربعاء 19-11-2014 الساعة 01:35 ص

بين التلبيس والتدليس

د. صلاح الدين سلطان

التلبيس هو إدخال الأشياء المتباعدة في بعضها جهلاً بالحقيقة الكبرى وإن أدرك المُلبِّس بعض تفاصيلها، كما قال تعالى عن بني إسرائيل: "وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ" (البقرة:42)، ومن ذلك جدالهم حول ذبح البقرة، وتكرار الأسئلة الموهمة، فصغار الأطفال يعرفون ما هي البقرة لكنهم سألوا أولا: ما هي البقرة؟ ثم ما لونها ثم ما هي؟ مرة أخرى ليعودوا بالتلبيس إلى السؤال الأول، وهو ما يجري الآن مع الفلسطينيين في السُلطة الذين خاصموا شعوبهم وصالحوا أعداءهم، وصاروا أشداء على الفلسطينيين المجاهدين رحماء على الصهاينة المعتدين، أعزاء على حماس والمقاومين أذلاء لنتنياهو وأوباما!، فالتلبيس اختصارًا هو: استعمال الحق مع الباطل معا لتشويه الحقيقة، أما التدليس فهو: العلم بالحقائق الكبرى وتعمد قلب الحق باطلا بالتغيير والتحريف والتبديل والتزييف، وقد كان بنو إسرائيل ولا يزالون أساتذة التدليس بلا منازع، فقد قالوا عن الله تعالى: "يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ" (المائدة:64) - تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا- وهم موقنون من بسط الله الأرزاق بالليل والنهار، وعبدوا العجل وقد علموا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا، وأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم فقالوا لسيدنا موسى: "اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ" (الأعراف:138)، وقد علموا أن الله واحد أحد فرد صمد لكنهم دلَّسوا عمدًا ومع سبق الإصرار والترصد، وطلبوا طعاما غير ما يرزقون فقالوا: "فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا" (البقرة:61)، وقالوا لسيدنا عيسى: "هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَـزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ " (المائدة:112)، إن أنبياء الله تحولوا إلى رجال أعمال في فتح المطاعم فيطلبون طلبات مخصوصة، وموائد ممدودة، وهو قمة التدليس والتلبيس معا!، فلما طلب منهم أن يقولوا: "حطة" أي: يا رب حط عنا خطايانا، دلسوا تدليسًا مبينًا وقالوا سخرية من الله ورسله: "حنطة" أي: قمحًا!، كأنهم طلبوا الحنطة بدلا من المغفرة، وطلب من اليهود ألا يصطادوا يوم السبت فنصبوا الشباك يوم الجمعة ليلا ليصيدوا الأسماك التي تأتي شُرَعا يوم السبت ابتلاء لهم فرسبوا بقوة في الامتحان ومارسوا التدليس بالاصطياد غير المباشر يوم السبت بهذه الحيل الرهيبة، وصاروا بهذا في أعلى سلم التدليس على الله تعالى! وأساتذة لعلماء الانقلاب الذين سوَّغوا للانقلابيين من العسكريين جريمتهم وألبسوا الانقلاب ثوبا قال فيه الشاعر أبو ذؤيب:
ثوب الرياء يشفُّ عما تحته فإذا التحفت به فإنك عار
وهؤلاء لا تعرف لهم مواقف حاسمة في السخرية من الله علنًا في الفضائيات والمطبوعات، ولا من هتك الأعراض في السجون والمعتقلات، ولم تتحرك الدماء في عروقهم حمية على جرائم سفاح سوريا، ولم تشغلهم قضية فلسطين، أسرى ولاجئين، وقتلى وجرحي على مر السنين، ومسجدنا الأقصى الأسير الذي أُغلق وحُرق، ودُنس بقطعان اليهود، ولم يثوروا يوما لانهيار الأخلاق والقيم والعفة والمروءة في الفضائيات، بل الأهم عند علماء الانقلاب المدلسين هو الوصول إلى المناصب، والاستماتة أن يأتي ملك الموت وهم يفترشون الكرسي، وجمع مالا وعدده من المكافآت المادية التي تتوازى مع حجم التدليس والتلبيس والتسويغ والتحريف في دين الله تعالى، وقد وُجد عبر التاريخ من أمثال هؤلاء الكثير، ويُذكرون في هوامش كتب التاريخ كنخالة للأمة، ونفاية للحق، وزراية بالرجال.
لابد من موقف من كل مصري أو إنسان أمام جملة الأكاذيب وليس بالقطاعي من الصهاينة المعتدين والانقلابيين المجرمين، أما وقاحة الكذب عندهم فهو كما قال صلى الله عليه وسلم: (ولا يزالُ الرَّجلُ يكذِبُ ويتحرَّى الكذِبَ حتَّى يُكتبَ عند اللهِ كذَّابًا) (رواه مسلم)، وهؤلاء يكذبون بالجملة وليس بالقطاعي، ويكذبون بشكل مؤسسي وليس فرديا، فما يقوله "السيسي" كبير الانقلابيين من أكاذيب أو يشير به يصبح أغنية الفنانين، ومقالات الصحفيين، وأخبار المذيعين، وتحليلات السياسيين، وحلول المبدعين، ومحلول الشاربين، وهواء المتنفسين، ويا ليتنا نتعامل مع رجال الجاهلية الذين كانوا يستنكفون من الكذب ولو فلتة واحدة في تاريخ حياتهم، ونحن عندنا منهج عكسي لدى المنتسبين للإسلام من الانقلابيين العسكريين والعلمانيين وعلماء الانقلاب، وهو:"أخشى أن تؤثر عني العرب والغرب أني صدقت مرة"، ولهذا قال الله تعالى: "وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ" (المرسلات:15و19و24و28و34و37و40و45و47و49) عشر مرات في سورة من قصار المفصل "المرسلات" فضلا عن تكرارها الوفير في القرآن الكريم.
يا قوم: إن سيدنا يعقوب كذَّب أولاده في أخذ بنيامين أخي يوسف، وقال: "بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا" (يوسف: من الآية83)، وكانوا صادقين في المرة الثانية لأنهم كذبوا منذ أكثر من أربعين عاما مرة، فمتى يتوقف العقلاء عن تصديق من يكذبون ويلبسون ويدلسون كل يوم بل كل ساعة، ويبالغون في الكذب "المنحكش" ويمضون بقلب بارد كأنهم تنفسوا هواء أو شربوا ماء أو تناولوا غذاء، وهم بحق كما قال الله تعالى: "وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ" (إبراهيم: من الآية43).
فيا شعب مصر العظيم: توقفوا عن تصديق الكذابين المدلسين، بل الوقحين في الكذب والتدليس، وانفضوا أيديكم من عمالقة التلبيس والتدليس، فمتى يا قوم تأخذون بمنهج العرب أو المسلمين، أو بعض نبلاء الغرب الذين يفضلون الموت على الكذب، لكن قادة الانقلابيين أصبحوا أساتذة التدليس والكذب فأهدروا كل ما جاء من ناحيتهم ولو أقسموا بالأيمان المغلظة لقوله تعالى: "وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ * أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ" (القلم: 10-16)، وهذا أصدق وصف للانقلابيين اليوم، والمصيبة فينا عندما نمتطي الكذب مطية في كل شارع ودار، فيا رب أعد لنا رئيسنا الشرعي محمد مرسي الصادق قولا، الصابر فعلا، القائد حقًاً، المعزول ظلمًا، العائد أملا في رب العزة سبحانه، "وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا" (الإسراء: من الآية51).

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"