بقلم : حسن حاموش الأحد 30-11-2014 الساعة 10:02 م

شحرورة لبنان.. عطاء لا يعرف الشيخوخة

حسن حاموش

صمتت شحرورة لبنان فصدح اسم صباح تغريداً في جميع مواقع التواصل الاجتماعي حيث انتشرت التغريدات من كل حدب وصوب من لبنان والوطن العربي من الشرق والغرب.. الكل يرثي صباح مغرداً باسلوبه.. زعماء لبنان، كبار الفنانين في الوطن العربي، جميع متذوقي هذا الصوت الساحر، الذي ملأ حياتنا فرحاً وطرباً على مدى ثمانية عقود.

صباح ملأت الفن العربي إشراقاً ورحلت فجر يوم ماطر

لا يمكن لأحد اختزال صباح بكلمات وسطور فهي ظاهرة فنية لا تتكرر فقد رحلت عن ثلاثة آلاف أغنية و83 فيلماً و27 مسرحية كما أنها ثاني فنانة عربية بعد أم كلثوم التي غنت على مسرح الأولمبيا في باريس مع فرقة روميو لحود الاستعراضية، وذلك في منتصف سبعينيات القرن العشرين، كما وقفت على مسارح عالمية أخرى، كأرناغري في نيويورك، ودار الأوبرا في سيدني، وقصر الفنون في بلجيكا، وقاعة ألبرت هول بلندن، وكذلك على مسارح لاس فيغاس، وغيرها.

كان من مفارقات القدر، أن تغادرنا صباح يوم ماطر، ليتكامل الصبح في حضورها وغيابها. فقد أدركت أن اللحظة المنتظرة تدنو منها، فاشترطت أن تكون موعداً للفرح، وليس للحزن، هكذا أوصت وطلبت من أقاربها أن يزفوها في رحيلها بالفرح والدبكة. لا أن يبكوها ويذرفوا الدموع، فالتزمت العائلة ونقابة الفنانين اللبنانيين المحترفين بالوصية حيث بدأ النعي بعبارة: "بفرح كبير تعلن نقابة الفنانين رحيل الأسطورة شحرورة لبنان".

أسطورة صباح، تكمن في حجم عطائها الغزير، في الأغاني والسينما والمسرح، وتكمن أيضاً في نجوميتها المميزة التي تجمع بين الحنجرة الذهبية والموهبة الاستعراضية والقدرات التمثيلية.. أمّا سر الأسطورة، فهو أولاً في تفانيها في العطاء لأجل محيطها.

فقد أنفقت الكثير من الأموال لمساعدة أسرتها وأقاربها والعاملين معها، لا بل أنها نموذج في نكران الذات حيث لم تحتفظ لنفسها بأي ثروة ولا حتى بفيلا أو شقة سكنية، لتختم حياتها في شقة فندقية تكفل محبوها بتغطية نفقاتها.

وسر الأسطورة أيضاً في النعمة الربانية التي جعلتها تستعصي طويلاً على الشيخوخة، وظلت تروضها بتلك الطلة الشرقية الباهرة التي بقيت تجذب لها العرسان حتى بعدما تجاوزت الخامسة والسبعين من العمر. لكنها استسلمت لزحف الشيخوخة على مشارف التسعين والتزمت الفراش بانتظار لحظة الرحيل التي استعجلتها الشائعات منذ ثلاث سنوات.

لقد استأثرت صباح بمساحات كبيرة من ذاكرة الفن اللبناني والعربي، وحتى العالمي حيث ارتبط اسمها بالعصر الذهبي للسينما المصرية، وبالعصر الذهبي للمسرح الغنائي اللبناني، ومهرجانات بعلبك فكانت النجمة الشاملة التي تتربع على قلوب الجمهور العربي في الخمسينات والستينات والسبعينات والثمانينات.

صباح اعتمدت البساطة في الكلمة والتعبير وغنت بعدة لغات ولهجات لكنها أبدعت في اللهجتين اللبنانية والمصرية وصارت رمزاً من رموز مصر ولبنان. ومثلما غنت في الحب والحياة والمجتمع لم تغب عن الشأن العربي والهم السياسي وشاركت مع كبار المغنين من أبناء جيلها في أوبريت "الوطن الأكبر" من ألحان محمد عبد الوهاب، وبرسالة بعثتها صباح للجيش المصري بعد نصر أكتوبر.

إستحقت صباح صباح تقدير الشعوب العربية مثلما حازت على تقدير الزعماء ونالت أوسمة من ملك الأردن الحسين بن طلال والرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، وكذلك الرئيس السنغالي، الشاعر ليوبولد سينغور، كما كرمها الرئيس المصري أنور السادات.

الحديث عن فنانة عملاقة من طراز صباح هو حديث ثقافي بامتياز. ذلك أنها طبعت بفنها مرحلة مهمة من ذاكرة المبدعين العرب حيث أثرت الساحة الشعرية عندما غنت أكثر من ثلاثة آلاف قصيدة بالعامية اللبنانية والعامية المصرية والفصحى لعدد كبير من الشعراء نذكر منهم: الأخوان رحباني، أسعد سابا، أحمد شعيب، وأسعد السبعلي والياس الرحباني وبيرم التونسي وأنور عبد الله وتوفيق بركات وجورج خليل وحسن توفيق ورميو لحود وحسين السيد، وزكي ناصيف وطلال حيدر وعبد الجليل وهبي وزين شعيب وشفيق المغربي وسميرا مسعود وصالح جودت وعبد العزيز سلام وفتحي قورة ومأمون الشناوي ومحمود بيرم التونسي ويونس الابن وموريس عواد وغيرهم.

لقد أثرت الشحرورة الساحة الثقافية بكثرة الأشعار التي غنتها، مثلما أثرت الفلكلور الشعبي اللبناني مما جعلها متجذرة في التراث الشعبي والفن والثقافة. ويندر أن يستعيد اللبنانيون لحظاتهم التراثية بدون حضور صباح سواء عبر صوتها الجبلي الذي يصدح بالميجانا والعتابا وأبو الزلف والمواويل، كما يندر أن يخلو احتفال وطني في لبنان بدون الدبكة على إيقاع أغاني الصبوحة.

صباح توازي في عطائها المطرب الراحل وديع الصافي وكأنهما من أعمدة بعلبك حيث انطلق صوتها عبر حجار القلعة التاريخية ليتردد صداهما في أرجاء العالم ولذلك ليس كثيراً القول بأن صباح أحد أبرز الوجوه التي أطل بها لبنان على العالم وأبهى رموزه الوطنية حتى تكاد تكون أرزة لبنان مثلما هي أيضاً نجمة الفن العربي.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"