بقلم : د. صلاح الدين سلطان الأربعاء 17-12-2014 الساعة 03:13 ص

الحق - الخلق - النفس

د. صلاح الدين سلطان

يقول ابن القيم الجوزية: إذا عاملتَ الحق فأخرج الخلق، وإذا عاملتَ الخلق فأخرج النفس. وهى كلمة جليلة تلخص الطريق إلى سعادة النفس في الدارين من خلال صدق العبادة والإتقان في عبادة الرحمن، والعدل والإحسان مع خلق الرحمن.

إن من الظلم أن تحجُبَ أهواء النفس ونزغات الشيطان الإنسان عن الإحسان إلى الخلق، ولكن الظلم الأكبر أن تحجب النفس والخلق العبد أو الأمة عن الحق سبحانه وتعالى، فيصير (كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ) (الأنعام: من الآية71) ولا يستجيب للدعاة إلى الله (لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا) (الأنعام: من الآية71) لأن هواه وشيطانه لم يمكناه من إدراك (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى) (البقرة: من الآية 120) وأخشى على هؤلاء من الوعيد الشديد الوارد في الأثر الذي رواه الترمذي بسنده عن أبى الدرداء أن النبي صلى الله علية وسلم قال: إني لأجد نعت قوم يتعلمون لغير العمل، ويفقهون لغير العبادة، ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة، ويلبسون جلود الضأن، قلوبهم أَمَرُّ من الصبر، فبيَ يغترون، وإيايَ يخادعون، فبيَ حلفت لأتحين لهم فتنة تذر الحليم فيهم حيران.

فإذا أراد العبد أو الأمة أن يَجدَّ السير إلى الله تعالى ويواجه هذه الفتن فإنه يجب أن يتسلح بقوة هائلة، مثل الطائرة العملاقة التي لا تُحَلّقُ إلا بعد تدقيق كثيف وتموين كثير، ويمكن أن نلخص هذه القوة في أمرين:-

أولاً: اذا عاملتَ الحق فاخرج الخلق:

نعم لأنه في بَدائه العقول لا يستويان (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) (النحل:17) والخلق إما الإنسان أو الحيوان أو الطائر أو الجماد أو هي الأملاكُ بأنواعها البراقة، كل هذا قد يجعل لها قيمة أعلى مما وضعها الرحمن للإنسان فهي كٌلُها مسخرة للإنسان (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ) (الجاثـية: من الآية 13)، وبالتالي فالملك الذي خلق جعلنا خلفاء وسخر الخلق لنا، فكيف نتحول إلى أشقياء لخدمة هذا الخلق؟ والإنسان الذي نحاول أن نرضيه بسخط الله قلبه بيد الرحمن "القلوب بين أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء". وعليه فلا نملك أن يحول أب أو أم قلب أولادهم إليهم وهم فلذات أكبادهم، ولا تملك زوجة أو يملك زوج أن يصرف قلب الآخر إليه وحده، ولا يملك شيئا من المخلوقات لم يقدره له ربه، وعليه فإن من الكياسة كل الكياسة والعقل كل العقل أن يُنَحِي الإنسان رضا الإنسان، أو النَهَمُ على الأشياء بما يصرفه عن رب الناس، وآنئذ يكون قد خسر مكانه عند الله ولا يأتيه من الدنيا إلا ما كتب له، ولا يملك أن يصرف قلوب الناس إليه، وهذا هو الخاسر فعلا الذي قال الله فيه (خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ٬ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيد٬ُ يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ) (الحج:11-13) إن كان العبد صادقا في العبادة والإتقان فانه يحمل طاقة إيمانية عالية أن يتحدى أي شيء كما فعل سحرة فرعون حين قالوا: (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) (طـه: من الآية72) رغم أنهم هم المتزلفون إليه، الطامعون فيما في يده قبل الإيمان كما قال تعالى: (أَئنَّ لَنَا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ) (الشعراء: من الآية41)، يتحدى تعذيب القوم كما فعل عمار وياسر وسمية وبلال وأبو ذر وابن مسعود، بل يكون كما كان يقول ابن مسعود وهم يعذبونه: ما كان شأنهم أحقر عندي من هذا اليوم، وعندما جيء بخبيب ليقتل وقيل له أتحب أن محمدا مكانك، فقال ما أحب أن يشاك محمد شوكة واحدة وأنا آمن في أهلي ثم هددوه بالتعذيب والتقطيع لجسده بعد قتله فأنشد يقول منظومة رائعة صادقة في حب الله تعالى:

ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي جنب كان في الله مصرعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أشلاء شلو ممزع

هل ندرس هذا في القرآن والسنة والسيرة ولا نقدر على مخالفة عرف غالب مخالف لأوامر الحق سبحانه سواء في أفراحنا أو أتراحنا ، في فقرنا وغنانا، في عافيتنا وأمراضنا، في ليلنا ونهارنا؟!!!، فكم من مدع إرضاء الحق وهو يشتري الأشياء لا لِيُسَخِرَها في مرضاة الرحمن بل ليستطيل بها على عباد الله! وكم من محب لإنسان وترك لأجله الخشوع والإقبال على ذكر الله! وكم من متزلف لمسئول لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا! وكم من ساكت عن الحق خشية بطش الخلق!، وكم من راءٍ لفتن ومفاسد تستوجب إعلان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وانخرس اللسان خشية من ردود فعل الآخرين!

ثانياً: إذا عاملتَ الخلق فأخرج النفس:

هناك معايير راقية في تقييم النفس والناس مثل: "خير الناس أنفعهم للناس"، "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي" والمطلوب ليس الوصول إلى العدل والقسطاس المستقيم بل تجاوزه إلى البر والإحسان وهو يقتضي أن يكون لدى العبد أو الأمة مايجعله يبالغ في إكرام الخلق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "إن الله كتب الإحسان في كل شيء" ويتعامل بالرفق "ما دخل الرفق في شيء إلا زانه وما نُزِعَ منه إلا شانه"، وهذا يحتاج إلى مجاهدة للنفس وصراع مع الشيطان معا لاقتلاع كل بذور الكبر والخيلاء والغل والحسد، والهلع والفزع، والجشع والطمع، والغيبة والنميمة، والكذب والبهتان، والخيانة والنكران، والعجز والكسل، والجبن والبخل، والأنانية والأثرة.......

وهذا لن يستقر خُلُقاً أصيلا وطبعا نبيلا إلا بعد تحديد صادق: أين نفسي من الحق والخلق؟ هل أراعي الخلق عند إرضاء الحق، أو أراعي نفسي عند التعامل مع الخلق؟ وهذا يقتضي أن ندرك أن النفس تمر عبر خطوات ثلاث:

1. الغفلة، قال تعالى: (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ) (يوسف: من الآية53).

2. الاستحضار، قال تعالى: (وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) (القيامة:2).

3. الحضور، قال تعالى: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ) (الفجر:27).

ومن السنن الإلهية أنه لا قفز من الطفولة إلى الشباب إلا بعد مرحلة المراهقة، كذا الإنسان لا يمر من غفلة القلب، وهوى النفس إلى حضور القلب، وخضوع النفس إلا عبر طريق طويل شاق وهو مجاهدة النفس، لكن مع مشقته فيه سعادة الدنيا والآخرة، فيه رضا الله والجنة ، فيه صحبة الأخيار من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فيه الخير والرضا كله، وهو أملنا فيكم إخواني وأخواتي في الله في أي مكان من أرض الله عز وجل، ورجاؤنا في ربنا أن يرزقنا الهداية كما وعدنا سبحانه (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت:69).

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"