بقلم : د. محمد علي الهرفي الثلاثاء 30-12-2014 الساعة 01:45 ص

الإرهاب وثقافة قطع الرؤوس: الجذور !!

د. محمد علي الهرفي

الحديث عن الإرهاب قديم ولكنه ازداد كثيرا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١ م في أمريكا، ولكن الحديث عن قطع الرؤوس وما تلاه من تعليقات على تلك الأفعال وبشاعتها بدأ مع داعش (الدولة الإسلامية) التي قامت بعدة عمليات قطع كان بعضها مصورا وتم عرضه في بعض القنوات التلفزيونية ولقي استهجانا كبيرا من الجميع، نظرا لبشاعته وأيضا مخالفته لقواعد الشرع وضوابط الأعمال الإنسانية المعروفة.

حاول الأمريكان وبعض مؤيديهم من الغربيين ومن العرب أيضا ربط هذه الثقافة المتوحشة (ثقافة قطع الرؤوس) بالمسلمين، وادعوا أن المسلمين وحدهم هم من يمارس هذه الأعمال الوحشية، وقد استغلوا ما قامت به الدولة الإسلامية عندما قطعت بعض الرؤوس علنا أسوأ استغلال، حيث ربطوا الإرهاب بكل مساوئه بالمسلمين، وأعتقد أن قطع تلك الرؤوس هو الذي ساعد أمريكا كثيرا على حشد عدد كبير من الدول لحرب داعش كما قالوا!

لكن التاريخ ووقائعه وأحداثه تؤكد أن الأوروبيين والأمريكان هم من بدأ ومارس تلك العادات السيئة، وهم - أيضا - من مارس الإرهاب بكل تفاصيله وأنواعه، وقد أشار الدكتور (نعوم تشومسكي) - وهو واحد من أكبر علماء أمريكا وفلاسفتهم، بل هو ظاهرة عالمية بحسب وصف جريدة نيويورك تايمز، وهو أمريكي يهودي، ولكنه يميل إلى الإنصاف والواقعية ولهذا فهو غير محبوب في بلده وأيضا في إسرائيل، يقول نعوم: إن أمريكا بلد إرهابي بحسب تعريفها للإرهاب، فهو - أي الإرهاب (هو التهديد أو استخدام العنف لتحقيق غايات سياسية أو دينية أو غير ذلك من خلال تخويف الناس ونشر الخوف في صفوف المدنيين وما إلى ذلك)، ويضيف: عندما نقارن بين ما تفعله أمريكا عسكريا في العراق وأفغانستان واستخدامها فلسفة (الصدمة والرعب) وبين ما تفعله حليفتها إسرائيل سنجد أنهما يمارسان الإرهاب بطاقته القصوى ضد المجتمعات والشعوب في العالم.

والمعروف أن أمريكا مارست حربا شرسة ضد الفيتناميين وقتلت منهم عشرات الآلاف، وفعلت الشيء نفسه في العراق وفي أفغانستان، كما أنها أسهمت مع إسرائيل في قتل آلاف الفلسطينيين، وما زالت تدعمها لقتل الشعب الفلسطيني وقلعه من أرضه!! وأمريكا فعلت كل ذلك بحجة محاربة الإرهاب والعنف في العالم!! والكل يدرك أن ما تقوله أمريكا لا صحة له على الإطلاق، وإلا لماذا صمتت عن جرائم بشار الأسد وكذلك جرائم الصهاينة في غزة وغيرها من الجرائم التي يتعرض لها المسلمون في أماكن كثيرة؟!

ويروي (جون سمث) وهو واحد ممن ترجم ما كتب عن أفاعيل الأمريكان بالهنود الحمر - سكان أمريكا الأصليين - وذلك خلال معركة (ساند كريك)، فقد ارتكب الجنود الأمريكان أفظع مجزرة في الهنود الحمر، حيث هشموا جماجمهم وسلخوا جلودهم وقلعوا أدمغتهم، كما بقروا بطون الحوامل وعذبوا الأطفال وفصلوا الرؤوس عن الأجساد!! ومع هذه الوحشية فقد احتفل الأمريكان بهذه المجزرة وأشاد بها الرئيس الأمريكي (تيودور روزفلت) وأثنى على شجاعة جنوده واعتبر أن القضاء عليهم ضرورة ملحة!!

وكما تحدث التاريخ عن فظائع الأمريكان فقد تحدث أيضا عن فظائع الفرنسيين زمن احتلالهم للمغرب العربي، فعندما دخلوا قرية اكواري في إقليم مكناس قطعوا رؤوس الأهالي وكانوا يضعونها على شاكلة رؤوس الحيوانات التي يصطادونها، وقد عملت فرنسا من صور هذه الرؤوس طابعا بريديا وكان ذلك في عام ١٩٤٩م، وفي عام ١٩٥٧ كرر الفرنسيون فعلتهم الشنعاء ولكن هذه المرة كانت في الجزائر، حيث كانوا يقطعون رؤوس الفرنسيين ويلتقطون صورا لهم وهم يحملون بعض تلك الرؤوس!! وقد شارك الإسبان في حفلات قطع الرؤوس وكان ذلك مع المغاربة وكانوا يحملونها بأيديهم بعد قطعها!!

إذن ثقافة قطع الرؤوس بدأها الأمريكان والغربيون وعلى نطاق واسع وبتشجيع من حكوماتهم، أما الدواعش فقد كانوا تلامذة صغارا على موائد الأمريكان والغرب، كما أن أفعالهم وجدت استنكارا كبيرا من المسلمين بعكس ما كان موجودا عند دعاة حرب الإرهاب قديما وحديثا، فقد توغل أولئك في الإجرام وبكل صنوفه، قتلوا وقطعوا الرؤوس وبقروا بطون الحوامل واغتصبوا النساء وفعلوا أكثر من ذلك، ولم يتوقفوا عن ارتكاب فظاعاتهم حتى الآن، إن حصار العراق زمن صدام تسبب في موت حوالي مليون طفل، كما أن حصار غزة حاليا تسبب وسيتسبب في موت الآلاف، فوق أن الأمراض والفقر والبطالة ستصبح هي الأصل في غزة، يحدث كل ذلك برضا ومساعدة الأمريكان وبعض دول الغرب!!

أليس هذا إرهابا بكل معنى الكلمة؟ أليس قتلا للأبرياء؟! هو كذلك كما قال نعوم تشومسكي - وهو يهودي أمريكي - قال: إن القتل الغاشم للمدنيين الأبرياء هو إرهاب وليس حربا على الإرهاب.

الأمريكان وحلفاؤهم بيدهم مكاييل عدة ويكيلون بحسب أهوائهم، فالذي لا يوافق أهواءهم فهو إرهاب تجب محاربته وحشد الآخرين ضده، أما الذي ينسجم مع مخططاتهم وأهوائهم فهو عمل جليل يستحق الإشادة والتبجيل وذلك على غرار دفاعهم عن جرائم الصهاينة في غزة، وصمتهم عن جرائم بشار الأسد وما شابه ذلك من الجرائم التي يغضون الطرف عنها أو يقفون مع فاعليها، أما الحجج والتبريرات فهي جاهزة، وما على الآخرين إلا القبول والسير في ركاب الأمريكان!!

لا نعذر الدواعش على ارتكاب المجازر بأي صورة ولكننا لا نقبل القول بأن الإسلام دين الإرهاب ولا بأن المسلمين إرهابيون، لأننا لو أجرينا مقارنة سريعة بين ما فعله الغرب والأمريكان وبين ما فعلته داعش لوجدنا أن الفارق هائل بين الاثنين، ستكون داعش مجرد تلميذ صغير مبتدئ أمام الإرهاب الغربي والأمريكي!! ومع هذا كله لم يقل المسلمون إن الديانة النصرانية ديانة إرهابية ولم يقولوا أيضا إن كل الغربيين وكل الأمريكان إرهابيون، وهذا يؤكد أن المسلمين أكثر إنصافا واعتدالا من غيرهم.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"