بقلم : د. محمد علي الهرفي الثلاثاء 06-01-2015 الساعة 01:48 ص

الأحزاب الدينية بين القبول والرفض !!

د. محمد علي الهرفي

ليس موضوعي هنا هو مناقشة موضوع مبدأ السماح بقيام أحزاب أو عدم السماح بها في البلاد العربية أو الإسلامية وإنما لفت نظري أن البلاد التي تتخذ من الإسلام دينا وتدعي أنه مصدرها في القوانين والتشريعات تحارب وتمنع قيام أي حزب ذي مرجعية إسلامية مهما كانت معتدلة بينما نجد أن الأوروبيين وهم دعاة الليبرالية والعلمانية والاشتراكية وغيرها من المبادئ التي لا تمت للأديان بصلة يسمحون بقيام أحزاب وجماعات على أسس دينية، وكذلك تفعل إسرائيل حيث تسمح بقيام أحزاب دينية وأيضا جماعات إرهابية ذات مرجعيات دينية!! والسؤال: لماذا نجد هذه المفارقة الغريبة بين دولنا التي تؤمن بالإسلام دينا وبين دول أخرى لا تدين - حسب قوانينها - إلا بالعلمانية؟!!

إسرائيل - التي احتلت بلدا عربيا مسلما وتعيش وسط بلاد مسلمة - بلد ديني عنصري بامتياز، فاسم دولتهم هو اسم نبي الله يعقوب عليه السلام، وهم يطالبون أن تكون دولتهم لليهود فقط!! تخيل لو أن دولة عربية اتخذت من اسم نبينا محمدا اسما لها ثم طالبت بإخراج النصارى واليهود من أراضيها!! كيف سيكون موقف الأوروبيين والأمريكان منها؟! بل كيف سيكون موقف مواطنيها منها لاسيَّما العلمانيين وأشباههم؟!! بينما صمتت معظم دول العالم عن مطالبات اليهود وهي دولة محتلة تريد طرد السكان الأصليين منها!!

وفي إسرائيل التي تدعي الديمقراطية والعلمانية أحزاب دينية ذات نفوذ كبير على صانعي القرار، ومن هذه الأحزاب حزب (شاس) وزعيم هذا الحزب المتطرف الحاخام عوفاديا يوسف الذي طالب بقتل الفلسطينيين رجالهم ونساءهم وأطفالهم!! لنا أن نتخيل كيف ستكون ردة فعل الغرب والعرب لو أن شيخا مسلما طالب بمثل ما طالب به ذلك اليهودي المتطرف؟!

وفي إسرائيل أيضا حزب (مفدال) وهو من الأحزاب ذات المرجعية الدينية المتطرفة، وهذا الحزب مسؤول عن كثير من الأعمال الإجرامية ضد الفلسطينيين، ويؤمن هذا الحزب بعقيدة إسرائيل الكبرى ووجوب طرد الفلسطينيين من أرضهم!!.

وثالث هذه الأحزاب حزب (الليكود) وهو حزب ديني متطرف وقد تولى قادة هذا الحزب الحكم مرارا، ومن هؤلاء مناحيم بيجن وشارون، ويؤمن هذا الحزب بعظمة إسرائيل وخصوصيتها!!.

وإلى جانب هذه الأحزاب توجد جماعات متطرفة تعمل تحت سمع الدولة وبصرها وتلقى دعما وحماية لكل جرائمها ضد الفلسطينيين، واللافت أن كل الجرائم التي يمارسها الصهاينة تكون باسم الدين ولا تجد من الغرب أو الأمريكان من يستنكر ذلك ولا من ينسب الإرهاب للدين اليهودي أو لليهود بصفتهم الدينية!!.

وفي أوروبا تكثر الأحزاب ذات المرجعيات الدينية مع أن أوروبا معروفة بالليبرالية والعلمانية لكن الدين يبقى ذا تأثير واضح على بعض مجريات الأمور فيها - وأنا هنا أشير إلى الدين الذي يؤمن به المسيحيون حاليا وليس إلى أصل الدين المسيحي - ولا تجد دول أوروبا حرجا في السماح بإنشاء أحزاب ذات مرجعيات دينية، بل إن بعض هذه الأحزاب وصل إلى الحكم كما هو حال الحزب الديمقراطي المسيحي في ألمانيا الذي حكم ألمانيا سنوات طوال ولم يعترض أحد لا في ألمانيا ولا في غيرها على ذلك، ونجد أيضا في فرنسا وبريطانيا أحزابا تشير مسمياتها إلى الديمقراطية المسيحية!! وهذه الأحزاب تعتبر نفسها ممثلة الدين المسيحي والأخلاق المسيحية، وهي غالبا ما تتحدث عن قضايا الإجهاض وتعدد الزوجات والطلاق بالإضافة إلى التأكيد على الأعياد والإجازات الدينية في نظام الدولة.

وفي أوروبا جماعات دينية متطرفة خاصة ضد الأقليات المسلمة حتى وإن كانت من أبناء البلاد الأصليين أو ممن يحملون جنسيتها!! ولهذا نسمع كثيرا عن قضايا منع النقاب وكذلك بناء منائر للمساجد ومنع الآذان، بل وصل الأمر في بعض دول أوروبا إلى المطالبة بطرد المسلمين نهائيا من أوروبا!! وقد نقلت بعض الصحف عن الرئيس الفرنسي السابق (ساركوزي) قوله: إن المآذن غريبة عن التراث الأوروبي!! ولعل هذا الرئيس لم يعرف أن عددا من دول أوروبا كان يدين بالإسلام مئات السنين!!.

وفي الهند أيضا أحزاب دينية متطرفة منها حزب (بهارتا جاناتا) وهو حزب هندوسي متطرف وقد حكم هذا الحزب الهند مرارا، وهو - أي الحزب - من قاد الحملة ضد مسجد البابري، وقد تمكن من هدمه ثم أعاد بناءه معبدا للإله (رام) الهندوسي وكان ذلك عام ١٩٩٢ م! ولم نسمع من الغربيين وأشباههم استنكارا حقيقيا حول هذه الجريمة التي راح ضحيتها الكثير من المسلمين، كما لم نسمع أيضا أن أحدا لا من الغرب ولا من الأمريكان ولا من العرب من استنكر إنشاء أحزاب ذات مرجعيات دينية في أي مكان في العالم.

وإزاء هذا كله أطرح السؤال مرة أخرى: لماذا لا تسمح الدول التي تسمح أنظمتها بوجود الأحزاب بوجود أحزاب ذات مرجعيات دينية؟! مع أن الفارق بين هذه الدول وبين الدول التي ذكرتها كبير جدا، فدولنا تؤمن بالإسلام وتجعله مصدرا أساسيا من مصادرها التشريعية بينما الأخرى لا تفعل ذلك؟! وكثير من دولنا لم تقف عند حد منع الأحزاب الدينية بل إنها تمنع وجود جمعيات دينية مستقلة عن توجه الدولة، وبعضها الآخر لا يقف عند هذا الحد بل يتعداه إلى محاربة الإسلام والتهجم على مبادئه وأحكامه وثوابته، فمنهم من يجعل الخمر ولحم الخنزير حلالا، ومنهم من يبيعه في الأسواق، ومنهم من يسخر بالجهاد وبالصيام والحج!! وبدأ البعض وتحت سمع دولهم وبصرها يشكك بالقرآن الكريم وبسنة سيدنا محمد عليه السلام، إلى غير ذلك من القضايا التي تشعرك أن هذه الدول لا تطيق الإسلام الذي يؤمن به معظم شعوبها وأنها من أجل ذلك تسخر كثيرا من إمكاناتها لحربه وحث ناشئتها على البعد عنه.

الدول العربية كما نعرف تسمح بوجود أحزاب ليست ذات مرجعيات دينية متعللة بعلل واهية وهذا شجع جماعات ترتبط بالدين حسب مفهومها تشكل تجمعات سرية تعمل تحت الأرض خوفا من الملاحقة وهذا شجع على وجود تيارات متشددة تتخذ من العنف طريقا لها!! كما أن القول بأن الأحزاب الإسلامية لا تؤمن بالديمقراطية أصبح قولا غير قابل للتصديق فقد كذبه الواقع أكثر من مرة فكان دعاة الديمقراطية هم أول الخارجين عليها وبطرق مقززة!.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"