بقلم : د. صلاح الدين سلطان الثلاثاء 27-01-2015 الساعة 01:15 ص

"الغيَّاثي" سفينتي إلى شيخي د.عبد العظيم الديب "رحمه الله"

د. صلاح الدين سلطان

في كل زمان يبعث الله رجالاً ليكونوا روادًا في العلم وقادة في التزكية ونموذجًا في الدعوة من أمثال شيخنا المحقق العلامة الرباني الغيور الصبور الدكتور عبد العظيم الديب، وإنني أكتب وأنا معلق بين السماء والأرض من "المنامة" إلى "جدة" في أول رحلة إلى "مكة" بعد وفاته بأيام كي أقوم بعمرة هدية إيمانية لشيخي، وجزء من الوفاء له بعد لقائه ربه تعالى، وأشهد ربي أن أحب شيخي حيًا وميتًا أكثر من حبي لنفسي.

لقد بدأت العلاقة به على قول العرب "والأذن تعشق قبل العين أحيانا" من خلال كتاب "الغياثي .. غياث الأمم في التياث الظلم"، لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني ت(478هـ)، وقد وجدته بمكتبة كليتي دار العلوم - وهي كلية الأفذاذ من أمثال الإمامين حسن البنا وسيد قطب والشيخ علي حسب الله ود.مصطفى زيد ود.علي الجندي ود.إبراهيم أنيس ود.بدوي طبانة ود.عباس حسن ود.حسن الشافعي ود.أحمد هيكل ود.أحمد شلبي ود.عبد الصبور شاهين ود.محمد بلتاجي ود.عبد المتعال الجابري وأ.لاشين أبو شنب ود.عبد العظيم الديب و... - حيث وجدت في تحقيق شيخنا د.عبد العظيم للكتاب من الدقة والحبكة العلمية والتميز ما جعلني أهيم بالكتاب ومؤلفه ومحققه، فصار "الغياثي" - بحق- سفينتي إلى بحر علم شيخي وأستاذي د.الديب.

فالمؤلف هو الأصولي الفقيه الشافعي الفيلسوف المنظر أبو المعالي الجويني، وفي كتابه يخاطب أمتنا المنكوبة في فقهٍ افتراضي في زمن القوة والعزة ليجيب على سؤال يصلح لزمن الضعف والذلة، وهو: لو افترضنا أنه قد جاء زمان خلا من خليفة أو إمام، ماذا يجب على آحاد وجماعات أمة الإسلام؟ وماذا لو تسلط على الحكم فيها من الحكام بالغلبة لا بالشورى أو الاختيار؟ ولم يدرِ الجويني أن سؤاله وافتراضه صار هو الحقيقة المُرة، والكتاب يضع واجبات عملية على الأفراد والعشائر والقبائل والجماعات، بما يحفظ للأمة قوامها واستمرار عزتها، ولولا فضل الله ومنته على أمته بأن يَصنع على عينه عالِمًا مثل الدكتور الديب يزهد في الأضواء، ويرغب عن الحركة، ويعكف بين المخطوطات لما خرج للأمة والعالَم كتب الجويني: "الغياثي والبرهان ونهاية المطلب"، ويوقف حياته لإخراج هذه الكنوز الثمينة.

عشت مع أستاذي من خلال الغياثي أولاً، والبرهان ثانيًا، أدعو له وإن كنت لا أعلم من هو؟ وأقول كيف كان الشيخ مسددًا أن يُخرج كتب الجويني في وقت صارت الأمة عامة وعلماؤها خاصة أحوج ما تكون لفكر الجويني الذي تميز بالواقعية والجمع بين اللغة الأدبية والدقة الفقهية، إذ يفترض دائما أن تكون لغة الفقه دقيقة لا أدبية حتى لا تتسع أو تضيق عن الحقيقة الفقهية، لكن أبا المعالي الجويني كان بارعًا في الجمع بين الأمرين مما يجعل عملية التحقيق أشق وأصعب، وخاض المفازة الفارس العلمي والصبور الأصولي، وبلغ المقصد، ووفى بما لم يسبق، وأدى بما أرجو أن يكون به في سدرة المنتهى من الفردوس الأعلى.

ظلت العلاقة تنمو مع الشيخ من بعيد من خلال الغياثي والبرهان حتى كان أول لقاء مع شيخي في موقف لن أنساه لأن الشيخ ارتقى من منزلة العالم المحقق إلى المربي المدقق حيث دُعيت لإلقاء محاضرة في كلية الشريعة - جامعة قطر، وتحدثُت عرضًا عن الجويني وكتابه الغياثي وأوردت بعض نصوصه شفويًا وأثنيت على المحقق د.الديب وأنا لا أدري أن العالم المتواضع جالس يستمع للمحاضرة، فوجدت شيخًا وقورًا يقف ويقول: "لقد عشت سنوات مع كتاب الغياثي وحققته لكني أشهد أن د.صلاح أحفظ له مني" وهنا شعرت بالخجل الشديد، وتركت مكبر الصوت والمنصة، وهرعت نحو شيخنا وقبَّلتُ يده احترامًا ورأسه إجلالاً، وأيقنت أن شيخنا تجرد من أهواء نفسه ليضع تلميذه في هذه المنزلة، وهو أمر ليس قليلا فقط بل نادرًا، وإن كنت على يقين أني لا أساوي غَرفة من بحر علمه، ثم تعمقت المودة بيننا أكثر عندما زرته في لندن أثناء مرضه وجراحته الكبيرة في القلب، ولما خرج من المستشفى كنت معه في حفل غداء فرحا بسلامته مع عدد من العلماء والناشطين في العمل الإسلامي ببريطانيا، ويومها اكتشفت في الشيخ الفقيه الأصولي بُعدًا جديدًا، وهو أنه المؤرخ الذي يروي أحداث التاريخ موثقة باليوم والسنة خاصة عن الغزو المغولي للعراق والشام سنة 656هـ وكيف عادت الأمة لرشدها واستعادت قوتها لتحرِّر الشام والعراق، وتقتل هولاكو قائد المغول في موقعة "عين جالوت" بعد عامين فقط على قدومه، بينما دخل آخرون في الإسلام من المغول وعادوا ينشرون الإسلام في شرق آسيا، وربط ذلك بغزو أمريكا للعراق، وأن الأمة ولود؛ وسوف يُخرج الله من رجال وعلماء الأمة من يَرُدَّ الأمريكان مهزومين مدحورين، وكان يجمع في حديثه بين دقة الرواية وعمق الدراية، وجودة الربط بالواقع وبعث الأمل، وكل هذا حوَّل الغداء المبارك إلى غذاء للقلب والعقل معا.

زادت العلاقة بيني وبين شيخي - رغم تقصيري- عندما كنت أفاجأ به في حلقات خاصة يحضر بين الشباب كواحد منهم، وأتوقف عن المحاضرة التي دعيت لها لكنه كان يصرُّ بقوة وإباء، وكان أحب لقاء مطول في ملتقى "القرضاوي بين التلاميذ والأصحاب" وامتلأ حديثى مع شيخنا بالحمية والحميمية، الحماس والحب لقضايا الأمة، وكانت له استدراكات على مسيرتنا الإسلامية عامة، وفاض ببعضها في غداء عقد ببيت العلامة الشيخ الدكتور عبد الستار عبد المعز في آخر لقاء جمعني بشيخي الجليل د.الديب، وحضور صديقه الحميم علاَّمة العصر وفقيه الأمة شيخنا القرضاوي الذي لم أجده باكيًا على فقد أحد كما وجدته في اتصالي أقدم العزاء وإن كنت أحوج لتلقيه.

ولم أجد كلمات أرق مما كتب الشيخ القرضاوي عن راحلنا إلى دار الخلود - بإذن الله - الدكتور عبد العظيم الديب حيث افتتحها بقوله:

أفي كلِّ حين لي حبيب أودِّع؟ فلا أنا أقفوه ولا هو يرجع!

رحم الله شيخنا الدكتور الديب، وبارك في أعمار علمائنا الربانيين، وجعلنا الله خير خلَف لخير سلف، كما قال الشاعر:

إذا سيد منا خلا، قام سيد قؤول لما قال الكرام فعول

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"