كُتاب : غياب الضوابط والمرجعيات يعطّل تشكيل الوعي لدى القراء

ثقافة وفنون الإثنين 09-02-2015 الساعة 05:31 م

كُتاب أكدوا أن غياب الضوابط والمرجعيات يعطّل تشكيل الوعي لدى القارئ
كُتاب أكدوا أن غياب الضوابط والمرجعيات يعطّل تشكيل الوعي لدى القارئ
هاجر بوغانمي

إن التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار" لكنه في باطنه يحتفظ بدرر تركت أثرها في وجدان القارئ العربي.. من منا لم يتأثر بـانطباعية "المنفلوطي"، ورومانسية "جبران" وواقعية "طه حسين" في المقالة الأدبية، وفلسفة "العقاد" في نوع آخر من المقالات، لا جدال في أن ما يدفع إلى طرح موضوع المقال الصحفي اليوم لا يخرج عن إطار مقاربتها بهذه المرجعيات الفكرية، وإلا على الكاتب أن يسأل نفسه كما تساءل محمود درويش ذات قصيدة "من أنا لأقول لكم ما أقول لكم؟"!.

لا شك في أن الصحافة القطرية أسهمت بشكل واضح في ظهور العديد من الأسماء التي حققت شهرة على المستويين المحلي والعربي وبلغت من العلمية كلّ مبلغ، لكن البعض الآخر ما زال يتوكأ على عصاه يهش بها على أفكار منسوخة، ولغة مبتورة، وسطحية متوغّلة، ونرجسية متغوّلة، حتى إذا ما أومأت إليه بالتوقف زمجر وأرعد!

لاشك أيضا في أن لثورة التكنولوجيا الحديثة دورا بارزا في ظهور طائفة من الكتاب ساعدتهم تغريداتهم عبر "تويتر" على أن يلفتوا إليهم أنظار الصحافة المكتوبة التي عملت على استقطابهم وتمكينهم من عمود أسبوعي. ومن بين هؤلاء من اتجه إلى كتابة الأدب.

"الملف الثقافي" التقى عددا من الكتاب الصحفيين وبعض الذين يشغلهم الهم الإبداعي في مجال "السلطة الرابعة" وطرح عليهم تساؤلاته حول واقع المقال الصحفي في المشهد الإعلامي المحلي والمسؤولية الاجتماعية والأخلاقية التي يتحملها الكاتب في تشكيل وعي القارئ.. فكان التالي:

نبض الشارع

يذهب الكاتب الصحفي جاسم فخرو إلى أن الكاتب يمثل ثقافته، وقال في هذا السياق: هناك شح في الأقلام القطرية، والمجتمع القطري بحاجة إلى مزيد من الكتاب في مختلف المجالات لأن الحياة عبارة عن ميزان ونحن نحتاج في كل مجال إلى كاتب يساهم في التنمية وخدمة الوطن من خلال عرض المشكلات والحلول ووجهة نظر المجتمع تجاه القضايا المختلفة فهو نبض الشارع القطري.

وأكد فخرو أن بعض الكتاب لديهم نظرة متشائمة، والبعض الآخر ينظر إلى الواقع نظرة متفائلة لكن الهدف الأسمى هو خدمة المجتمع. وتابع: لو أن المسؤولين بالدولة اهتموا بما يكتب في الصحف لحلت نصف المشاكل.

وأضاف: ليس هناك حرية إعلام بينما الكاتب حر وهو الضمير الحي الذي يتطلع لخدمة المجتمع. نحن بحاجة للكتابة في مختلف المجالات لتثقيف المجتمع ولعقد الصلة بينه وبين المسؤولين.

وأثني هنا على الخطوة التي قام بها سعادة وزير التربية بالجلوس مع كتاب الأعمدة لتبادل الأفكار وإعطاء المعلومات لما يحدث بالوزارة وتطلعاتها. وأشار جاسم فخرو إلى أن على كاتب المقال أن يتحرى الدقة عند الكتابة خاصة في ما يتعلق بالمعلومات. وقال: الكتابة فن يشترط الدقة والإيجاز والحفاظ على جسم المقال والتركيز على قضية واحدة، ويفترض أن يمنح المقال لأصحاب الخبرات وهذه دعوة أوجهها لرؤساء التحرير بالصحف المحلية أن يستكتبوا أصحاب الخبرة التي لا تأتي إلا مع التقدم في العمر والممارسة.

نافذة

أما عبدالعزيز آل إسحاق الذي يستعد لإصدار ثلاثة كتب في العام الجاري هي رواية، وكتاب خاص عن الإعلام، وكتاب اجتماعي سياسي فقال: قد يكون المقال ساعدني في التواصل مع فئة من القراء نظرا لأنني كنت كتبته باسم مستعار واستمر ذلك لسنوات، وكتبت في المجالين الرياضي والمحلي بعد انتقالي إلى جريدة "الشرق"، كما أن المقال نافذة نطل من خلالها على القارئ العربي من خلال أكثر من مطبوعة عربية كتبت فيها. ربما الإشكالية الوحيدة في كتابة المقال متعلقة بالالتزام بالوقت بحكم التزاماتي العديدة. فالمقال دفعني لكتابة ما لا يمكن كتابته في الصحيفة المحلية سواء على مستوى المواضيع التي تحتاج إلى سرد وتفصيل أو على مستوى المواضيع المتخصصة والعلمية أو على مستوى الجرأة.

عناصر

وقال ماجد الخليفي رئيس تحرير جريدة "ستاد الدوحة": إن كاتب المقال يجب أن يكون شخصا متمرسا ومتعمقا وملما بعناصر المقال المتمثلة في مقدمة جيدة، ومتن جيد وخاتمة تفيد القارئ أو الجهة المعنية بالنقد أو المدح.

وأضاف: الكتاب القطريون قليلون وهناك شباب يتم استقطابهم من قبل الصحف المحلية إلا أن جزءا منهم ينقطعون بعد فترة، ومنهم من يكون محسوبا على جهة معينة. نحن لا نريد كتابا محسوبين على جهات أو أشخاص معينين لأن الكلمة لابد أن تكون صادقة وهادفة وشاملة. إن جود الموهبة وحدها لا يكفي بل لابد من صقلها من خلال المشاركة في دورات تدريبية والاحتكاك بأصحاب الخبرة. فالكتابة ليست أمرا هينا والمقال هو عصارة فكر لذلك نجد هناك مستويات للمقال فمنه المتوسط، ومنه الجيد، ومنه النخبوي، ومنه المقال الموجه لفئة معينة، وأهم عنصر في المقال هو قيمة الحدث. وأتمنى من الصحافة المحلية أن تأخذ بيد الكتاب الشباب باستكتابهم ودعوتهم إلى مطبخ التحرير لتطوير الموهبة وتصحيح الأخطاء.

قانون يحدد الضوابط والشروط

من جانبه يقول الكاتب أحمد المصطفوي الذي بدأ قاصا قبل أن يتحول إلى مجال الصحافة حيث صدرت له مجموعة قصصية يتيمة بعنوان "خربشات عقل شاب" إضافة إلى نص مسرحي بعنوان "مقامات" فيقول: أعتقد أن غياب قانون يحدد الضوابط والشروط التي يجب أن تتوفر في كاتب المقال والتي تحددها الصحف فتح المجال أمام الجميع لتجريب الكتابة من خلال العمود الأسبوعي. فالموجود في الصحافة المحلية هو العرف وليس القانون، والعرف هو أن يكون الكاتب صاحب موهبة، وأن يكون قادرا على فهم المجتمع، ولديه خلفية سياسية وثقافية ومجتمعية.. لاشك أن وسائل التواصل الاجتماعي وخاصة "فيس بوك" و"تويتر" ساعدت في ظهور طائفة من الكتاب يقاس نجاح كتاباتهم أو مقالاتهم أو تغريداتهم بعدد المتابعين لهم عبر هذه المواقع. وبذكاء شديد استطاعت الصحف المحلية أن تستقطب هؤلاء وتمنحهم فرصة الظهور من خلال أعمدة يومية أو أسبوعية.

وأشار المصطفوي إلى أن المقال يختلف بفنونه العلمية والأدبية لكنه في عمومه يجب أن يكون موجها للمجتمع. وعلى الكاتب أن يراعي أمرين أولهما أن يكون صادقا مع نفسه في طرح القضية وثانيا أن يسأل نفسه: ما الذي سأضيفه للقارئ؟ عندما يبدأ الكاتب من مبدع ثم يتحول إلى مجرد شخص يسلم مادة للصحيفة التي استكتبته فإنه يحتاج إلى فترة نقاهة. نحن نريد كاتبا واعيا يقدم فكرة ويدفع بالقارئ لطرح الأسئلة والبحث في أبعاد الفكرة، نريد كاتبا يؤمن بأن الفكرة لها أثر وليست مجرد مقالة من أجل بث البلبلة، والبحث عن الفرقعة الإعلامية، وإثارة الرأي العام.

إعلام الوسائط

أما الكاتب راشد العودة الفضلي فيقول: تقنيات إعلام الوسائط، أسهمت في إبراز أسماء ينتسبون للكتابة والكتاب وبعضهم أصبح من قادة الرأي، وآخرون حققوا رواجا في أوساط الإعلام والصحافة، وإذا استثنينا الماهرين منهم والقادرين على إحداث الفارق المطلوب، فإن نسبة كبيرة من أولئك ليسوا كتابا بالمعنى الحقيقي، ولابد من تصنيف الفئتين حسب مستوى ومضمون الكتابة ومعلوم أن الكتابة للصحافة تختلف عن نسج نصوص أدبية أو خواطر عابرة حتى وإن وظفنا شواهد وتراكيب لغوية أدبية فيما نكتب؛ حيث يجب أن نعنى بقواعد وفنون عرض المادة وأسلوب التناول بما ينسجم والوسيلة الإعلامية. وأرى أن مستوى المقالات المنشورة في صحافتنا يتراوح بين الرصين المتقن والهزيل الركيك، حتى إن بعض الكتبة (الجنسين) يلجأون أحيانا للنقل عن مواقع ومنتديات أو يستكتبون غيرهم وينسبونه لأنفسهم، ونسبة منهم تفتقد خاصية الثبات والاستمرارية أو تكون مذبذبة في قيمة المقال وأهميته، وهذا تشخيص توصلت إليه بعد مسيرة كتابية بلغت ثلاثة عقود ونيف، إلا أن ما يبعث على التقدير والاحترام أن صحافتنا تضم كتابا عربا ومواطنين ما زالوا يضيفون ويقدمون للساحة إسهامات نوعية وأطروحات متميزة ومؤثرة، بل إنهم يميزون مستوى وانتشار صحيفة عن أخرى ويمثلون عناصر فاعلة في نسبة توزيع هذه الصحيفة أو تلك. وباعتباري كاتبا قطريا فإني أسعى إلى طباعة مقالاتي ضمن كتاب في أجزاء، علما بأني أنتجت إصدارا رقميا يحوي مجموعة من مقالاتي المنشورة عنوانه (مواقف وكلمات)، إضافة إلى مشاركات أدبية وفكرية وثقافية في عدد من المطبوعات العامة والمتخصصة، وأعكف حاليا على إنتاج فكري ثقافي سوف يظهر في ميدان الإعلام والثقافة قريبا بإذن الله.

وأضاف: بما أن جريدة "الشرق" تبنت هذا الملف الثقافي المهم فإنني أرى أنه من باب دعم وتقدير جهود الكتاب وخاصة الثابتين من خلال أعمدتهم أن تكافئهم بطباعة نتاجهم في إصدارات خاصة وتساعدهم في تسويقها في المعارض والمنتديات والتمثيل الخارجي.

منبر حر

من جانبها قالت الأديبة فاطمة بلال: أسهمت التكنولوجيا وبرامج التواصل الاجتماعي بشكل فعّال في ظهور العديد من الكتّاب خاصةً فئة الشباب، في ظل وجود ما يسمى بالإعلام الإلكتروني، فقد أصبح "تويتر" على سبيل المثال منبراً حراً، بالنسبة للكتّاب سواء مع ثورة التكنولوجيا الحديثة أو من عدمها منهم من يحترف الكتابة ولديه هدف واضح ويتمتع بفكر نيّر ويمتلك جميع الأدوات التي تؤهله لكتابة مقال أو عمل أدبي، ومنهم من يفتقد ذلك فيعتقد أن الكتابة هي عبارة عن عمود يسرد به بعض الجمل وينتهي الأمر، ولكن نسبة كبيرة من هؤلاء الكتّاب أظهروا إبداعهم في هذا المجال.

وأضافت: من منطلق تجربتي في عالم الصحافة فإن عمودي في صحيفة "الشرق" نقلني إلى عالم آخر حيث أهلّني للدخول في عالم الأدب بعد أن جرّبت كافة خربشاتي القصصية ومقالاتي الأدبية، فبعد نشر المقال أتعلم شيئاً جديداً إلى أن احترفت كتابة القصص وغرقت في ذلك العالم. وتابعت: العديد من كتّاب المقالات في الصحف المحلية لم يأخذوا حقهم ففعلاً لمست موهبتهم من خلال قراءتي لمقالاتهم سواء اليومية أو الأسبوعية، ولكن على أي حال ومن وجهة نظري فإن كثيرا من القضايا المهمة التي تُطرح من خلال مقالاتهم لها فاعلية من قبل الجمهور وتهم المجتمع، فالمستوى لا بأس به.

شروط

أما الكاتب الصحفي محمد الجاسم فتختلف وجهة نظره في جزئية مما تم طرحه حيث يعتبر أن كاتب المقال اليومي ليس كاتب مقال في نظره، وقال في هذا السياق: للمقالة شروط أولها توفر الفكرة ثم بلورتها حتى تصل إلى القارئ بشكل واضح، ولا بد للكاتب أن يتبع هذه الشروط. أنا شخصيا بدأت ممارسة الكتابة كهواية من خلال بعض الخواطر والنصوص البسيطة حتى انتهيت إلى كتابة المقال. ومن خلال هذه التجربة أستطيع أن أقول إن من أهم شروط الكتابة الاطلاع والإلمام، ويشترط المقال الوضوح والدقة واللغة السلسة حتى يفهم القارئ ماذا يريد الكاتب، بالإضافة إلى المسؤولية والموهبة والثقافة.. لا بد أن يكون ما أكتبه مفيدا للقارئ، والصحافة تلعب دورا كبيرا في تشجيع الشباب ربما منهم من هو جيد. كما أن كاتب المقال يختلف عن الكاتب المسرحي والشاعر والقاص، ولكن بإمكان هذا الكاتب أن يكتب في الأدب إذا كانت له موهبة وثقافة واطلاع. مضيفا: لا بد من إعطاء الكاتب مساحة أكبر من الحرية لكن وفق شروط وضوابط، ولا بد من تشجيع الكتاب وعدم التفريط فيهم وعامل الوقت كفيل بفرز الجيد منها.

رؤية نقدية

في سياق تحليل المشهد وفق رؤية نقدية عميقة وشاملة يؤكد السيد عبدالواحد عبدالله المولوي أن المقالات التي تنشر في الصحف اليومية ليس فيها أبعاد مختلفة لأي قضية من القضايا التي يتم تناولها، فالصحف تريد أن تملأ صفحاتها اليومية، وتريد أن يقال إن هناك كتابا قطريين يكتبون. مضيفا: ليس هناك تعريف للنقد البناء ولا تُفهم أبعاده. إن النقد البناء هو معرفة الحقائق الموضوعية والسياق الذي صار فيه الحدث والجانب التاريخي والسيكولوجي والثقافي.. وبالتالي يمكن القول بأن جهل الكاتب ينتقل إلى جهل القارئ، وعمق الكاتب ينتقل إلى عمق القارئ.

وتطرق عبدالواحد المولوي إلى قضية المرجعيات الفكرية حيث قال: في الستينيات من القرن الماضي كانت هناك مرجعيات فكرية فـ(طه حسين) عندما يكتب مقالة يتناولها من جميع جوانبها. أما اليوم فالمرجعيات الفكرية غير موجودة إلا بالشهرة فقط. بينما المرجعية تتأتى من خلال العمق في التحليل والبعد المتنوع. إن نظرة الناس للقضايا الاجتماعية سطحت وهذه مشكلة لأن قضية النوعية تأخرت عن موقعها وحلت محلها الكمية، والمسؤولية تلقى على عاتق من ينشر وليس على عاتق من يكتب، لذلك لا بد من وضع معايير واضحة لضمان النوعية للمجتمع. وحول نزوع بعض كتاب المقالات إلى الأدب قال: هؤلاء يستعملون القراء كفئران مختبر بدافع النرجسية، والإنسان بطبيعته مقلد، إضافة إلى أن الدول الخليجية تحب أن تشجع كتابها لكن هل بلغوا مستوى تحسين الوعي لدى الفرد في المجتمع؟ ليس لدي جواب! إن قضية الكتابة قضية خطيرة جدا مادامت تتعلق بوعي البشر لأنه هو الذي يجعل الإنسان سعيدا أو شقيا، فالكاتب بإمكانه أن يبني الوعي وبإمكانه أن يحرقه.. إن الإنسان يتشكل من الجسد والعقل والروح، والكاتب الذي ينطلق من الروح هو الكاتب العميق. والكتابة التي تنمي الروح هي التي تنطلق من الروح أي من التجلي.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"