بقلم : لويس حبيقة الأحد 15-03-2015 الساعة 01:49 ص

تحديات المياه وفرص التغيير

لويس حبيقة

لا تخفى على أحد أهمية المياه للحياة بمختلف جوانبها الغذائية والصحية والبيئية والإنتاجية كما أنها مصدر للطاقة. استعملت المياه تاريخيا في الاستهلاك والإنتاج والتدفئة والتبريد كما للنقل ولتحقيق جزء من السياسة البيئية التي لا يمكن إهمالها في عصرنا اليوم. 70% من المياه تستعمل للإنتاج الزراعي، فلا زراعة دون مياه متوافرة بسهولة وبتكلفة مقبولة، كما أن للمياه فوائد كبرى لا تحصى ولا بديل عنها، تسبب أحيانا خسائر في البشر والحجر عبر الطوفان والفيضان اللذين لا يرحمان أحدا بمن فيهم الفقراء وأصحاب الحاجات الخاصة وغيرهما. يحتاج الإنسان إلى شرب لترين من المياه العذبة النظيفة يوميا للاستمرار في الحياة، نفهم قيمة المياه خاصة عندما تكون غير متوافرة، تماما كما يحصل في لبنان مثلا منذ عقود. سنة 2014 كانت صعبة بسبب شح المطر، وبالتالي اضطر اللبنانيون لشراء المياه للاستهلاك المنزلي بأسعار باهظة. تشير هذه السنة إلى إمكانية توافر المياه صيفا نتيجة الأمطار التي هطلت وتهطل بغزارة فوق بيروت والمناطق. انخفاض أسعار النفط يسمح للبنانيين خاصة في الجبال بالتدفئة في هذه الأيام الباردة التي فاقت التوقعات في عمقها وطولها، لا تقتصر أهمية المياه على الاستهلاك العادي، إنما تشكل مصدرا للطاقة المباشرة وغير المباشرة أي عبر الطاقات الأخرى. هنالك دول غيرت عواصمها وموقع مؤسساتها بنقلها إلى الشاطئ. الدول التي ليس لها منفذ على البحار تعتبر مغلقة، وهنالك ملامح مشتركة لمواطنيها تميزهم بوضوح عن سكان الدول العادية. المياه مهمة جدا للإنسان والدول ليس فقط للاستمرار في الحياة، وإنما للتقدم عبر الاختراعات التي ارتكزت في جزء منها على المياه. التحدي الذي يواجه الإنسانية والمجتمعات هو كيفية إدارة هذا المورد أو هذه الثروة ضمن معايير الشفافية والفعالية والنوعية للحفاظ على استمراريتها. لا خوف من الشح المائي العالمي، إذ إن الدورة الطبيعية العلمية مستمرة. تتبخر المياه فتحدث غيوما فالمطر هو الذي يغذي الأرض والينابيع والأنهر والسدود. هنالك مشكلة تكمن في توافر المياه العذبة التي تصبح أكثر أهمية مع التزايد السكاني في كل المناطق خصوصا منطقتنا العربية. خلال القرنين الماضيين، ارتفع استهلاك المياه العذبة ضعفي الزيادة السكانية ومن المرجح أن ترتفع النسب أكثر مع انتقال الصين والهند إلى مجتمعات أكثر استهلاكية من الماضي. معظم الحروب الماضية كان مرتبطة بالطاقة من نفط إلى غاز أو فحم. من المرجح أن تكون حروب المستقبل مرتبطة بالمياه مع التكاثر السكاني والانحدار البيئي. من ناحية أخرى، تشير الإحصاءات إلى زيادة سكان المنطقة العربية 63% قبل سنة 2050 مما يحتم الانتباه إلى المصادر والاهتمام بالبيئة كي تكون المياه المتوافرة نظيفة ولا تحدث أمراضا تفوق في خطورتها ما نعرفه اليوم في العديد من الدول. هنالك من أطلق على الأرض تسمية "الكوكب المائي" إذ إن 70% من مساحتها مكونة من مياه، كما أن 97% من المياه مالحة مما يفرض التحلية في دول عدة منها دول مجلس التعاون الخليجي. اخترع "جيمس وات" المحرك البخاري الذي قلب الصناعة رأسا على عقب وكان السبب الأساسي في إحداث ثورة صناعية غيرت معالم التاريخ وأثرت على العلوم والثقافة وطرق الحياة وكافة المجتمعات. كانت المياه ومازالت أهم سلعة يحتاج إليها الإنسان متفوقة على النفط الذي يمكن الاستغناء عنه، على عكس المياه التي لا بديل لها. 20% من السكان يفتقدون إلى المياه العذبة للشرب والطهي و40% يفتقدونها للحفاظ على مستويات صحة عامة ونظافة منزلية مقبولة. تربط المياه الإنسان بأرضه وتدفعه إلى الحفاظ على حقوقه والاستمرار في العيش في دولته. تخلق المياه علاقة قوية بين الإنسان وأرضه وتعتبر أحد معالم الجغرافيا الأساسية التي يعيش ضمنها. كما النفط وبقية السلع والمواد الأولية، فالمياه ليست موزعة دوليا بشكل عادل. هنالك دول قليلة محظوظة بالمياه بل هنالك 8 منها تعتبر الأغنى مائيا وتتوافر فيها كميات كبرى تؤثر إيجابيا على اقتصادها وهي البرازيل، روسيا، كندا، الصين، إندونيسيا، الولايات المتحدة، بنجلادش والهند. من العوامل الأساسية التي تميز دول عن أخرى هي مدى توافر المياه فيها. في منطقتنا، هنالك أنهر عدة إلا أن أهمها هي النيل ودجلة والفرات. تتقاسم مياه النيل عبر اتفاقية وقعت في سنة 1959 ثلاث دول، أي مصر وحصتها 55.5 مليار متر مكعب في السنة والسودانيين بمجموع 18.5 مليار متر مكعب سنويا. تحاول إثيوبيا التي سيرتفع سكانها من حوالي 85 مليونا اليوم إلى 120 مليون نسمة في سنة 2025 أخذ حصة كبيرة عبر تغيير مجرى النهر عمدا، وهذا ما ترفضه مصر. المعلوم أن إثيوبيا تحتوي على مساحات كبرى من الأراضي الخصبة التي تسمح لها بإنتاج كميات كبيرة من الغذاء إذا توافرت لها المياه. تستفيد إثيوبيا من الأوضاع الدقيقة التي تمر بها مصر للاستفادة من الثروة المائية العربية. يبلغ طول نهر دجلة 1800 كلم ويمر في 3 دول هي تركيا وسوريا والعراق. يبلغ طول الفرات 2795 كلم ويغذي الدول نفسها، حاولت تركيا الاستفادة من النهرين، فأنشأت بدأ من سنة 1976 حوالي 22 سدا (9 على دجلة و13 على الفرات) كما أنشأت 19 معمل إنتاج كهربائيا بطاقة سنوية تبلغ 30 مليار كيلو وات ساعة وهي تصدر اليوم الكهرباء. كما ارتفعت الإنتاجية الزراعية التركية بفضل توافر المياه للري، فزادت الكميات المنتجة وتنوعت. استغلت تركيا طبعا الأوضاع المتقلبة في المنطقة العربية لتوسع استفادتها المائية، مما انعكس إيجابيا على مجمل اقتصادها بما فيها الصناعة والسياحة بالإضافة إلى الزراعة. تستفيد إسرائيل أيضا من الأوضاع الفلسطينية والعربية المتردية وتسرق المياه من لبنان وفلسطين. يستهلك الفلسطيني 80 مترا مكعبا من المياه سنويا مقارنة بـ323 للإسرائيلي و150 للأردني. 68% من المياه المستهلكة إسرائيليا تأتي من الخارج بينها 28% من لبنان. هنالك ضرورة عالمية لترشيد استعمال المياه منعا للهدر وحفاظا على توافر المادة للأجيال القادمة. من العوامل المرشدة هي الأسعار التي تتفاوت من مدينة إلى أخرى تبعا لتوافر السلعة. بالدولار وللمتر المكعب الواحد، تتفاوت الأسعار بين 3.27 في مدينة نيويورك، 7.38 في كوبنهاجن، 3.8 في لندن، 2.45 في دبي، 0.03 في جدة و2.8 في لوس أنجلوس. تعبئة المياه العذبة للبيع إلى المنازل تعتبر من أنشط الصناعات العالمية حيث بلغ حجم مبيعها السنة الماضية 100 مليار دولار مع تزايد سنوي يقدر بـ10%. تقيم أنشطة المياه للاستعمالات المختلفة بحوالي 400 مليار دولار سنويا. هنالك دول تخصخص قطاع المياه فيها، لكن التجارب العالمية متفاوتة بين النجاح والفشل تبعا لطريقة الخصخصة وسياسة تحديد الأسعار والرقابة الموضوعة على النوعية. لماذا القلق بالنسبة للمياه في المنطقة العربية وما هي الحلول الممكنة؟ تكمن المشكلة في البيئة الملوثة المؤثرة سلبا على توافر ونوعية المياه، هنالك الزيادة السكانية وارتفاع الاستهلاك إلى مستويات غير مسبوقة، هنالك الإدارة السيئة للمادة والتي تعود إلى عدم توافر المعلومات والأرقام أي إلى غياب الشفافية واعتماد أسعار منخفضة تشجع على الهدر كما إلى غياب السدود وقنوات النقل والتوزيع وغيرها بالإضافة إلى عامل الطقس. في لبنان هنالك عجز مائي سنوي نتيجة سوء التخزين وتردي أنابيب النقل كما بسبب الهدر، مما حتم على المجتمع المدني وضع مشروع "الذهب الأزرق" وهي خطة خمسية تهدف إلى تحسين وتفعيل إدارة قطاع المياه بحيث يستفيد اللبنانيون أكثر بكثير من هذه الطاقة المتوافرة في كل الربوع اللبنانية.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"