بقلم : وليد أبو النجا الجمعة 20-03-2015 الساعة 02:20 ص

وسطية الشيخ القرضاوي

وليد أبو النجا

يشعر البعض أن الحديث عن وسطية الإسلام في هذه الأيام أصبح مكررا ومملاًّ، ولهم بعض الحق، فقد صار مزاج وفكر الأمة والصحوة وسطيًّا، غير أنه لم يكن كذلك في سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات هذا القرن، إذ كان التدين يعني بصورة ما: التعمق والتشدد. وما المزاج الوسطي الذي صارت إليه الأمة إلا نتيجة جهود علماء كبار بينوا للناس وسطية الإسلام ويسره واعتداله. وأحد هؤلاء العلماء الكبار هو الشيخ يوسف القرضاوي.

لم تكن الوسطية عند الشيخ القرضاوي عقب تجربة من التشدد كما عند البعض، وإنما خط فكري واضح تستطيع أن ترصده في مؤلفاته، من أولها إلى آخرها، وهو الخط الذي يتفق مع طبيعة شخصيته، ومنهج تعليمه في الأزهر، وطريقة تربيته في جماعة الإخوان.

خذ أيَّ كتاب من كتبه، حتى وإن كان فقهيا خالصا (كفقه الزكاة)، ستجده يبين وسطية الزكاة في الإسلام بجلاء، وهو يقارنها بالصدقة في الأديان الكتابية، والضرائب في الأنظمة الوضعية، وﻻ يجور فيه على حق الفقير لضعفه، وﻻ يحيف على حق الغني لثرائه.

خصَّ الشيخ القرضاوي الوسطية بالحديث في عدد من كتبه، منها كتابه المبكر (الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف)، وانظر البينية في العنوان التي تشير إلى التوسط، وكذا تحدَّث عنها في (الصحوة وهموم الوطن العربي والإسلامي) و(أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة المقبلة) و(الصحوة الإسلامية من المراهقة إلى الرشد) و(خطابنا الإسلامي في عصر العولمة).

ثم أفردها بالتأليف في كتاب (كلمات في الوسطية)، فوضع له ثلاثين معلما يميزونها، وقد نشره مركز الوسطية بالكويت، ثم زاد هذه المعالم توضيحا وشرحا وتفصيلا في كتابه (فقه الوسطية والتجديد في الإسلام)، والذي عرَّف فيه الوسطية، ودلَّل عليها، وذكر معالمها ومناراتها ومظاهرها وآثارها، ونقل أقوال العلماء القدامى والمحدثين عنها، وردَّ على الشُّبُه المثارة حولها، ووضع آليات لنشرها، وقد نشر هذا الكتاب مركز القرضاوي للوسطية والتجديد بالدوحة.

قد يتحرَّج البعض هذه الأيام أن يتحدَّث عن جهود الشيخ في نشر مفهوم الوسطية وخدمته، لاسيما مع الهجمة الشرسة عليه، واتهامه بالتحريض والعنف والإرهاب، والتشنيع عليه بما هو بريء منه، وما هذه الهجمة إلا ﻷن الشيخ ساند حق الشعوب العربية في الحرية والعدالة والعيش الكريم.

غير أن من يرجع عقودا إلى الوراء سيجد الشيخ قد تعرض لمثلها من قبل، حين كان شباب جماعات العنف ينالون منه، ويتهمونه بتسييس الفتاوى وممالأة الحكام والتهاون والتخاذل. ومرت عقود وراجع المتهمون أنفسهم، ونشروا مراجعاتهم على الناس، متضمنة نقولات طويلة واقتباسات في مواضع عدة، من كتب الشيخ القرضاوي التي كان يحذر بعضهم بعضا من قراءتها. لقد وصلوا إلى قناعة بعد تجربة مريرة: أن سبيل الوسطية هو السبيل الصحيح لفهم الإسلام، وخدمته، والدعوة إليه، ومحاولة تنزيل أحكامه على حياة الناس.

ومن ثم فهجمة اليوم وإن اختلف القائمون عليها، من الحكام وأذرعتهم وأذنابهم، ستزول كما زالت أختها من قبل، وأيا كان ما يصيب الشيخ منها في نفسه أو عرضه أو ماله، فسيبقى فكره، وستبقى كتبه معبِّرة عن وسطية الإسلام.

أوذي العلماء على مرِّ العصور، وسجنوا، وضربوا، وعذبوا، وأخرجوا من ديارهم، وصودرت أموالهم، وأحرقت كتبهم، ومات منهم مَن مات في سجنه أو تحت سياط التعذيب، أو ضربت عنقه، وذهب أراذل الحكام ينتظرون الجزاء الوفاق في مزابل التاريخ، وبقي علم العلماء منشورا وذكرهم مرفوعا، والذكر للإنسان عمر ثان.

لقد دُرِّست كتب الشيخ في الجامعات، وسُجِّلت في منهجه الرسائل العلمية في أنحاء العالم، ومنها العالم العربي، وكان الشيخ لا يزال مغضوبا عليه من حكَّام مصر، فإذا كانوا جادين حقًّا في منع كتبه، ومحاصرة فكره، فليراجعوا هوامش كتب أساتذة الجامعات، وفهارس مراجعها، وسيعرفون حينها مكانة الشيخ وتأثيره في الفكر الإسلامي المعاصر.

لقد نشأنا في نهاية المرحلة الثانوية وبداية الجامعية، ونحن نسمع أن كثيرا من الأمور والتصرفات حرام، ﻻ يخالف في ذلك إلا عدد من المشايخ، منهم الشيخ القرضاوي، ثم شيئا فشيئا علمنا أن الشيخ ليس وحده في التحليل، بل معه عدد من علماء الإسلام قديما وحديثا.

كانوا يقولون: التصوير بأنواعه فوتوغرافي وفيديو من الكبائر، والغناء والموسيقى أيا كان حرام، ودخول مجلس الشعب مناف للتوحيد، والديمقراطية كفر!!

خذ مثلا التصوير، كان عدد من مشاهير المشايخ يفرون منه كفرارهم من المجذوم أو الأسد، ويقيمون المعارك الحامية، وينشرون الرسائل الكثيرة، ويشغلون الناس بالفتاوى حول تحريمه، بينما الشيخ يجيزه، ويستخدم المجلة المصوَّرة، والتلفزيون والفضائيات في التعريف بالإسلام والدعوة إليه. ثم دار الزمان دورته وعاد هؤلاء المشايخ يحملون الهواتف الذكية بالكاميرات المزدوجة، يصوِّرهم الناس، ويصورون أنفسهم (سيلفي)، ولهم حسابات رسمية تنشر صورهم على فيس بوك وتويتر ويوتيوب وانستجرام، ونسوا تحريمهم الأول!!

الإسلام دين الوسطية، وستبقى الوسطية ما بقي الإسلام، وسيخرج دعاتها، والمؤمنون بها من محنتهم أصلب عودا، وأرسخ قدما، وأبعد أثرا.

وإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"