بقلم : د. صلاح الدين سلطان الثلاثاء 31-03-2015 الساعة 12:55 ص

بين التعمير والتدمير

د. صلاح الدين سلطان

التعمير من واجبات الإنسان كخليفة عن الله في هذه الأرض، كما قال تعالى: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) (هود:61)، والتدمير هو تصرف هوجائي أرعن يهلك الحرث والنسل ممن تخلى عن إنسانيته، كما قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) (البقرة:204-205)، التعمير هو خُلق المسلم الذي يجب أن يتعامل مع الأرض عمارة، ومع الناس رعاية، والقانون طاعة، والسُلطة معاونة فيما لا يخالف قرآنًا أو سُنة، والتدمير هو التعامل مع الأرض هدمًا وتخريبًا، ومع الناس قتلاً وإرهابًا، ومع القانون خروجًا وانفلاتًا، ومع السُلطة نفاقا وتلفيقًا، التعمير أن تترك البلدان والمكان والزمان خيرًا مما كان، والتدمير أن تترك البلدان والمكان والزمان أسوأ مما كان، كنت صغيرًا أكره من الطلاب المشاغبين أن يكتبوا على جدران الفصول والطاولات وظهر الكراسي في الأتوبيسات عبارات فارغة تدل على فراغ وخراب نفوس أصحابها مثل: “للذكرى الهباب، وأيام العذاب” والتوقيع باسم حركي في التدمير والفساد، وغالبًا يكون له دلالة الشقاوة والعفرتة مثل: “خيشة، وحنش، والوحش و..”.، وبحكم أني فلاح كنت أسعد كثيرًا بأن نكدَّ في الأرض الجرداء حرثًا، وبذرًا، وريًا، وعناية بالزرع حتى نرى الخضرة تكسو الأرض بعد خوائها، كنا نتعب جدًا ونسعد بنفس القدر بهذه العمارة للأرض بالخضرة وهي أصل الخير ففيها الزرع يكسو الأرض جمالا، ويعطي الإنسان الأوكسجين مجانًا، ويستنفد ثاني أكسيد الكربون ليزداد الجو نقاء، أما المحصول فتأكل منه الناس والطيور والأنعام، وفي كل صدقة للحديث الذي رواه البخاري ومسلم: (ما من مؤمن يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه إنسان، أو طير، أو بهيمة، إلا كان له به صدقة)، ولازلتُ أضيق صدرًا بالمدن التي تقل فيها الخضرة ويكثر فيها عوادم السيارات والمصانع، أما أكبر تدمير يجري في العالم فهي هذه العوادم التي ينتجها الكبار في الدول الصناعية الكبرى وتحمل النفايات إلى البلاد الفقيرة عن طريق سماسرة الفساد والتدمير لكي تلوث الماء والغذاء والهواء وتنتشر أمراض السرطان والفقر، حيث يموت كل 5 ثوان إنسان بسبب التدمير بينما يجلس أدعياء التعمير يفركون أيديهم طربًا أنهم يحصدون الأموال، ويكسبون الانتخابات ويحركون السياسات للتدمير طول المدى وإن بدا أنه تعمير قصير المدى، وإلى الله المشتكى.

التعمير في الإسلام يجمع بين محاور ثلاثة: العمران العقدي في أرقى علاقة مع الله، والعمران الأخلاقي في أحسن تعامل مع الإنسان وكل كائن حي، والعمران المادي بزيادة الأشجار والثمار والمخترعات والابتكارات التي ترطب الحياة، وهو عمران يمتد من هذه الدنيا الفانية إلى الآخرة الباقية لينقلب الإنسان من عمران الدنيا إلى نعيم الآخرة، وينتقل المسلم من عيش رغيد إلى قصر مشيد، (وَظِلٍّ مَمْدُودٍ * وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ * وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ) (الواقعة: 30-33)، أما التدمير فهو إما تخريب وإفساد في الدنيا والآخرة أو تعمير الدنيا وإفساد الآخرة بأن يُعنى الإنسان بالعمران المادي مع التحلل الأخلاقي والفساد العقدي، مما يتبعه أن يكون الإنسان كما قال تعالى عن هؤلاء المترفين: (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ * إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ* وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ) (الواقعة: 41-46)، وشأن المسلم دائما أن يرى العمارة للدارين، كما نصح أهل العلم قارون فقالوا: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (القصص:77)، لكنه اغتر بماله، واستغنى بعمرانه، فخسف الله به وبداره الأرض، وصار عبرة قرآنية على من يعمرون دنياهم ويُخربون آخرتهم، وهو النمط السائد في حياتنا وحضارتنا المادية المغرقة في الفساد الأخلاقي والانحراف العقدي.

إن التعمير الحقيقي يبدأ من النفس بامتلاك ناصيتها، وحملها على إرضاء ربها، والإحسان إلى الكون كله حولها، فلنقف بحزم أمام تدمير النفوس بالزحف وراء الشهوات، وارتكاب المنكرات والإعراض عن رب الأرض والسماوات.

يا قوم يجب أن نقاوم التدمير مهما كان سماسرته وسدنته، لأنهم يستحقون لعنة الله والملائكة والناس أجمعين وهذا تخلية، أما التحلية فبالتعمير بأن نغرس الأشجار، ونكثر من الثمار والمخترعات كلٌّ في مجاله ومكانه وموقعه ليلقى الله راضيًا عنه، وهو غاية كل حصيف.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"