بقلم : شمسة البلوشي الأربعاء 17-06-2015 الساعة 02:52 ص

نساء من هذا العصر د. حصة صادق

شمسة البلوشي

تخرجت من الثانوية العامة وسارعت الخطى لأسرتها تزف لهم بشرى تفوقها ولتنقل لهم حلمها وطموحها، ردوا عليها بصوت واحد: لا يا بنيتي، لن نستطيع أن نوافقك على طلبك، فنحن عائلة لها قناعاتها في سفر بناتها إلى الخارج لاستكمال تعليمهن الجامعي، هاهي جامعة قطر كوني إحدى طالباتها، ولم تكن هذه الابنة المهذبة لتدخل في نقاش مع أسرتها، فقد عُرِف عنها أنها المطيعة لوالديها، وعلى مضض حملت أوراقها لتجد نفسها في قسم الكيمياء على الرغم من أن تطلعاتها كانت ترنو إلى عالم الطب مهنة الإنسانية والرحمة، تخرجت بتفوقٍ فأصبحت معيدةً في نفس الحرم الجامعي، وبعدها سافرت إلى القاهرة لتكمل مشوارها في الدراسات العليا لنيل درجتي الماجستير والدكتوراه بتفوق، لتعود إلى أرض الوطن للتدريس بالجامعة، وبعد عشر سنوات من التدريس عُيِّنت رئيساً لقسم أصول التربية، وخلال سنتين كُلِّفت بوظيفة العميد المساعد لشئون الطلاب وبعدها كُلِّفت بالعمل كعميدة، لها في العمادة الآن (11) عاماً،

العمادة أعطتها الكثير وحرمتها من كثير، حرمتها من إعداد الدراسات والبحوث العلمية، فأعباء الإدارة كانت كفيلةً لتشغلها عن إشباع احتياجاتها العلمية، وظل حلم رداء الطب الأبيض يداعب خيالها حتى اكتشفت بعد سنوات عديدة من العمل أنها خُلقت لتكون " مربيةً " لا طبيبة! وتحولت أحلامها إلى كلية التربية تريد أن تُضيف إليها كل نافع، ولعل الحلم الذي ما زالت تسعى لتحقيقه هو إنشاء مدرسةٍ تابعةٍ للكلية يتم من خلالها تطويرِ أفضل استراتيجيات التعليم والتعلم وتكون بيئةً تعليميةً متميزةً لتدريب طلبة وطالبات الجامعة وتتمنى تحقيق هذا الحلم قبل تقاعدها، ولعل من أهم إنجازاتها والأكثر فخراً لها في تاريخها المهني هو إعادة ثقة القطاع التعليمي بكلية التربية ومخرجاتها حتى أصبحت برامج الكلية من أفضل برامج إعداد المعلمين على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي.

لم تكن د. حصة صادق تطمح أو تخطط لتولي أي عمل إداري، لكن الترشيحات كانت تختارها من بين عشرات المتقدمات لتجبرها على تولي جميع المناصب الإدارية بدءاً من رئاسة القسم إلى عمادة الكلية، فسارت في طريقها الوظيفي الطويل في وسط صراعات العمل وإحباطاته، كانت تتصدى للذين لم يكونوا يملكون إلا الانتقادات المستمرة وكسر (المجاديف )، أدارت ظهرها لهؤلاء وجعلت مشروعها هو تقديم المساعدة لكل من تلتقي به في طريقها، إلا أنها لم تكن تغفل تماماً عن — معاول الهدم — التي كانت تُحيط بها وتلاحقها باستمرار، تقول انها تملك قدراً كبيراً في مهارة الإقناع، تختار الوقت المناسب في جلسةِ مصارحةٍ مع خصومها، وتوضح لهم ما غمض عليهم، لأن البعض كان يرفض أسلوبها القيادي وخططها التنظيمية على ضوء ما لديه من تقارير تفتقر إلى المعلومة الصحيحة الدقيقة، وسرعان ما ينقشع الضباب وتنضم أصواتهم مؤيدين لسياساتها الإدارية بعد أن كانوا من أشد الخصوم، لها فلسفتها الخاصة في محيط الإحباط، فهي ترى أننا عندما نحيط أنفسنا بالأفراد الإيجابيين فهذا من شأنه أن يخفف وطأة الهزيمة النفسية المؤقتة،

حاول أن تسألها عن الخلطة السرية لتميزها المهني فستجد نفسك مبهوراً بما ستقوله لك: لا توجد خلطةٌ سريةٌ ولكنه توفيق من الله عز وجل، وهي مزيج من القناعات تتشكل في نفسك مع خبرة السنين، اعمل وفي ذهنك أنك ستترك كرسي الرئاسة غداً، واعمل على ما يرضي الله وليس الناس، وضع أمام عينيك أنك ستقف بين يدي مولاك يوم القيامة (وقفوهم إنهم مسئولون )! وهناك قاعدة ذهبية تنادي بها هذه الشخصية الرائعة وهي أن تعمل على أن تكسب حب من يعملون معك، لأنهم إن اختلفوا معك لن يكرهوك أو يغدروا بك، بل سيدركون أنك تعمل لصالح الجميع، وكن قدوةً حسنة، ولا تحقر ولا تصغر أحداً، كن متواضعاً وكن قائداً في الوقت نفسه،

أما الأسرة فهي تعني لها الشيء الكثير فأبناؤها هم كل حياتها، وهم حصاد عمرها، كانت تردد دائماً بينها وبين نفسها

( وكان أبوهما صالحاً) لتدرك حقيقة المغزى العميق وراء هذه الآية الكريمة، وهو أن من يريد الصلاح لأبنائه فليبدأ بنفسه، ولو سُئِلت فيمن ترين نفسك في أبنائك فستجيب على الفور: أبنائي تقاسموا صفاتي، فابنتي تشبهني في حب خدمة الآخرين وابني ورث مني حرصه على إتقان العمل والسرعة في الإنجاز، إنها ترى أن الثراء الحقيقي هم الأسرة فبهم نتميز في كل جوانب الحياة، وهم مصدر الأمن والأمان والاستقرار.

لديها ثلاث وصايا في القيادة والعلاقات الإنسانية والحياة بسعادة ورضا وراحة بال، هذه الثلاث هي كنوز في الإدارة يضيق المكان لذكرها،

في الختام:

هذه هي د. حصة محمد صادق عميدة كلية التربية بجامعة قطر، تستحق أن تُدَّرس سيرتها العملية جيداً.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"