بقلم : لويس حبيقة الأربعاء 08-07-2015 الساعة 02:49 ص

الديون المرتفعة

لويس حبيقة

يتفشى الإرهاب والعنف عالميا في كل القارات. هنالك تفسيرات عديدة لهذه الظاهرة المتجددة، لكن الأمر المؤكد المشترك هو ما ينتج عنها أي القتل والدمار والموت والفقر. يرتفع الإرهاب بالتزامن مع تردي الأوضاع الاقتصادية بما فيها ارتفاع البطالة والديون العامة. هنالك مقولة اقتصادية قديمة تشير إلى أن النمو مفيد للإنسان وللمجتمع وكلما ارتفع، توزعت المنافع بشكل أفضل على جميع المواطنين. تشير الأرقام القديمة كما الجديدة إلى أن العديد من الدول حقق نموا كبيرا متواصلا، إلا أن هذا لم ينعكس على المواطنين بنفس الدرجة بل تضرر منه بعضهم أحيانا. هنالك إجماع اليوم حول الفوائد الاقتصادية للعولمة ولانفتاح الاقتصادات كما لتحرير الأسواق، إنما هنالك خوف أيضا من توسع فجوتي الدخل والثروة وبالتالي من نتائجهما على الاستقرارين الاجتماعي والأمني.

أكثرية الدول النامية والناشئة اقترضت لتمول استثماراتها وتحقق النمو. تحقق بعضه أحيانا ولم يتحقق النمو مرات أخرى بسبب سوء التنفيذ والفساد كما بسبب اختيار المسؤولين لمشاريع غير فضلى وغير مدروسة بل مربحة لجيوبهم. الحقيقة أن المقرضين والمنفذين للمشاريع، معظمهم أتوا من الدول الصناعية، استفادوا أكثر من مواطني الدول النامية والناشئة. هكذا أسهمت قروض الدول النامية والناشئة في تعزيز الاقتصادات الغربية وفي زيادة ربحية الشركات المنفذة وزيادة ثروات أصحابها كما في زيادة ثروات أصحاب القرار في الدول المستقبلة للاستثمارات. هنالك حقيقة محزنة هي أن مواطني الدول النامية والناشئة حصلوا على الديون التي أفادت دولا أخرى معظمها غربية كما مجموعات صغيرة داخلها.

ارتفاع الاستدانة يعني أن موازنات الدول النامية والناشئة تصبح غير صحية ومثقلة بخدمة الدين العام، وبالتالي تحرم الشعوب من فرص الإنفاق على الصحة والتعليم والغذاء والبنية التحتية الضرورية لتطوير الاقتصادات. هنالك مشكلة تكمن في محدودية أهداف هذه القروض، بما فيها قروض التنمية، التي تنظر فقط إلى الجانب المالي دون النظر إلى انعكاسها على الاجتماع والأمن والاستقرار. الاقتصاديان المعروفان "جو ستيغليتز" و "وليام ايسترلي" أشارا مرارا إلى هذا الخلل، وكان نصيبهما الخروج من المؤسسات الدولية التي كانا يعملان فيها. ما تقوم به مؤسسات الإقراض الدولية أيضا هي التوقعات المتفائلة التي تشجع الدول النامية والناشئة على الاقتراض. نتعجب في لبنان مثلا وفي أسوأ الظروف التي نعيش فيها أن تقوم المؤسسات الدولية بتوقع نسب نمو مرتفعة للسنوات المقبلة علما أن الاستثمارات غائبة والأوضاع الإدارية والحكومية في أسوأ حال. إصدار توقعات متفائلة يعطي أملا في المستقبل وهذا جيد، إلا أنه في الوقت نفسه يشجع الحكومات على التهور والمبالغة في الاقتراض لتمويل مشاريع وسياسات وقطاعات مكلفة وغير مجدية.

هنالك توقعات أخرى تبنى على مشاريع نظرية إذا نفذت، تحقق النمو القوي. ما هي النتيجة، قيام الحكومات بالاقتراض لتنفيذ هذه المشاريع التي لا تلبي أحيانا حاجات الدول المقترضة بل مصالح ضيقة مما يساهم في رفع مستوى الدين العام والارتباط بالخارج أكثر فأكثر. هنالك حقيقة تميز استعمار اليوم عن السابق. في القرون الماضية، بنيت الامبراطوريات عبر الحروب والاحتلالات من قبل الدول الغنية تجاه الضعيفة والفقيرة. أما اليوم فتبنى عبر الاقتصاد والديون، لكن النتيجة الحقيقية واحدة أي الارتهان للممول أو عمليا للمستعمر وأن يكن بأشكال مختلفة. في الحقيقة أيضا أن الحرب الباردة لم تنته بالعسكر والقتال، إنما بالاقتصاد حيث استنزف الاتحاد السوفيتي ماليا واقتصاديا فتفكك وانهار مما فرض انضمام الدول التي كانت تشكله بالإضافة إلى دول الجوار إلى مؤسسات الاقتصاد الغربي. هنالك واقع آخر مشابه وهو أن ما يجري مع روسيا اليوم من عقوبات يهدف إلى إضعاف الاقتصاد، وبالتالي يتحقق الخضوع الاقتصادي المؤثر بشكل كبير على السياسة. لا ننكر أن الحالة الإيرانية مشابهة أيضا، وأن يكن التأثير الإيراني إقليمي أكثر منه دولي إذا ما قارناه مع الواقع الروسي.

يقول "جون بركينز" في كتابه الذي يلخص سيرته ويسرد فيه اعترافاته وتجاربه القيمة أن في الإكوادور مثلا ومن كل 100 دولار تجنيها الدولة من بيع النفط يذهب 3% فقط إلى الإنماء والفقراء. خلال 3 عقود، ارتفعت نسبة الفقراء من 50% إلى %70 كما نسبة البطالة من 15% إلى 70% والدين العام من 240 مليون دولار إلى 16 مليار دولار وانخفضت نسبة الموازنة التي تتوجه نحو الفقراء من %20 إلى 6%. نصف موازنة الإكوادور تذهب لخدمة الدين العام بدل أن تعالج مشاكل المواطن والفقير بشكل خاص. هذا يعني أن العنف يتغذى من هذه السياسات المالية التي تبقى الحكومات المسؤولة الأولى عنها.

أن الدول المقترضة تبقى أسيرة الدول المقرضة، وهذا ما يتجلى اليوم في الصراع العالمي حول اليونان. ما يدعو للعجب هو أن دولة صغيرة كاليونان تشغل العالم من ناحيتي ديونها ومستقبلها، إذ يريد المقرضون أن تكون تجربتها عبرة لمن اعتبر. إقراض الدول النامية والناشئة بأموال كبيرة يعني عمليا تسليم قراراتها الوطنية لسنوات وربما لعقود للمقرضين من مؤسسات ودول ومصارف وصناديق. ضمن هذا المنطق، كلما ارتفعت الديون زاد الارتهان للخارج وكلما استفادت المؤسسات المقرضة بالتعاون مع شركاء الداخل الذين يبذلون كل الجهد للاستمرار في الاستفادة من الوضع السيئ. هنالك أيضا تمويل في الداخل يحصل من قبل المستفيدين من القروض لمؤسسات التعليم والمؤسسات الدينية والخيرية للحصول على تأييدها وتبييض صورتها لهدف الاستمرار في جني الأرباح الكبيرة.

تبعا للمعارضين للقروض الخارجية، إنها تهدف في رأيهم إلى المس بالبيئة والغابات والمناطق الريفية والزراعية وبالتالي إلى تشويه الدول النامية والناشئة في سبيل جني الأرباح الكبيرة. ما الذي ينتج عن هذه الممارسات غير الرفض والعنف والشعور بالغبن الذي يولد النقمة والاعتراض وربما الإرهاب والتطرف. يقول "بركينز" أن من يقاوم المشاريع الخارجية والقروض التي ترافقها يهزم. يروي قصة كولومبيا التي رفضت إنشاء قناة داخل أراضيها. فقسمت في سنة 1903 إلى دولتين واحدة هي كولومبيا الحالية والثانية باناما التي قبلت بإنشاء القناة. قسمت بالقوة عندما أرسل الرئيس روزفلت الباخرة الحربية "ناشفيل" وفرض التقسيم. لابد هنا من الإشارة إلى هويات من ترأس أهم مصرف تنمية في العالم أي البنك الدولي، حيث ليس للخبرة في الموضوع أهمية كبرى. مثلا "روبرت ماكنمارا" الذي كان رئيسا لشركة "فورد" للسيارات ثم وزيرا للدفاع، عين رئيسا للبنك الدولي. من اللاحقين، "باربر كونابل" الذي كان عضوا في مجلس النواب الأمريكي و "بول وولفوفيتز" الذي كان نائبا لوزير الدفاع وغيرهم. المعيار الواضح هو قدرة رئيس البنك المعين عمليا من قبل رئيس الولايات المتحدة على حماية مصالح الغرب أو خاصة مصالح أمريكا في عملية التنمية الدولية.

هذا لا يعني أن القروض الخارجية كلها سيئة، بل على العكس هنالك قروض تصرف في الأمكنة المناسبة وتحقق النمو والمنافع للمواطن والاقتصاد. المطلوب التنبه إلى نوعية القروض وكمياتها وأهدافها بحيث لا تضر بالدول المقترضة لمصلحة المقرضين في الخارج وحلفائهم في الداخل. هنا تكمن أهمية وجود أشخاص نزهاء يتمتعون بالكفاءة والخبرة ليقودوا حكومات الدول النامية والناشئة كي لا يكونوا ضحايا الجشع الداخلي والخارجي. لا يمكن مقاومة العنف الحاصل دوليا من دون إعادة نظر بكيفية إنفاق أموال التنمية بحيث يستفيد منها المواطنون العاديون والفقراء تحديدا. لا يمكن مقاومة الإرهاب والعنف بالقوة فقط، بل بالاقتصاد والمال والتنمية.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"