بقلم : وضحى بنت راشد الحايف الثلاثاء 11-08-2015 الساعة 01:46 ص

الحداثة والتحديث بين الإفراط والتفريط

وضحى بنت راشد الحايف

كوني أحد المشغولين بالحلم العربي الكبير، المثقلين بأسئلة لا تنتهي تبحث كلها عن سبيل للخروج من ليل طال ظلامه، تبحث في زمانه ومكانه وكيفيته. بصفتي أحد أولئك، فلا بد لي من التطرق إلى بعض المفاهيم الشائكة، والتي كثيراً مارُبط بينها وبين حلمنا الكبير ولعل أبرزها الحداثة.

في البداية، لا بد من تعريف الحداثة مع التفريق بينها وبين التحديث. فالتحديث هو الأخذ بالتطور العلمي والتقني، وإشادة البنية التحتية، وأنماط الاستهلاك والعيش والمواصلات والاتصالات، وأدوات وأساليب الرفاه وتكاد مجتمعات العالم تتشابه من حيث بنية التحديث وإطاره العام، والفرق بينها هو كون بعضها صانع للتحديث وبعضها الآخر مطبق له وناقل ومقلد، بينما تتعلق الحداثة بالجوانب الفلسفية والفكرية والثقافية والسياسية القائمة في المجتمعات ومفاهيمها، فقد قدمت الحداثة مفاهيم جديدة في الفلسفة، وشددت على تبني العقلانية وتفعيل العقل، وأحدثت قفزة فكرية شديدة الأهمية في تاريخ الفكر الإنساني، وحققت ثورة سياسية من خلال تبنيها أسساً جديدة للدولة الحديثة كمفاهيم الحرية والمساواة والديمقراطية، إضافة إلى إصلاح الخطاب الديني ونقد التراث، وكلا التعريفين مقتبس من الكاتب حسين العودات.

وقد سارعنا في تقبل التحديث والأخذ بغثه وسمينه قبل أن نمر بالمراحل الطبيعية للوصول إليه واستحقاقه. لعل أهم تلك المراحل هو الأخذ بالحداثة. وحرق المراحل هذا أدى إلى فجوة كبيرة وعدم توازن بين المادي والمعنوي. إذ نجد أنفسنا ماديا نغرق في كل ماهو حديث، بينما نعيش بعقليات وأفكار قرون خلت. هذا الأمر أدى إلى نوع من التطرف الفكري بين فكر محافظ يرفض كل مظاهر التحديث، فضلا عن الحداثة وبين فكر على النقيض الآخر يرحب بكل مظاهر التحديث والحداثة، لدرجة لا تقتصر على التبعية المطلقة، بل تتجاوزها لدرجة الذوبان في الآخر. ويوجد طرف ثالث يقبل مظاهر التحديث ولا يمانع من التنعم بها ولكنه يرفض قبول الفلسفة أو الآلية التي أنتجت ذلك التحديث. وأنا هنا لا أدعو إلى تبني الحداثة الغربية بقدر ما أدعو إلى إنتاج حداثة خاصة بنا؛ لإيماني بأن الحداثة لا تخص أمة دون أخرى، وإنما هي كامنة وتحتاج إلى جهود لتثويرها لا أختلف في هذا مع المفكر طه عبدالرحمن. ودليل ذلك حداثتنا التي سلفت وأحدثت ثورة حداثة وتحديث استفاد منها رواد حداثة اليوم.

ويبقى السؤال: كيف السبيل إلى الحداثة؟ هل بالقطع مع الماضي أم بنفخ الروح فيه؟

وما موقفنا منها في مقابل تراثنا؟ هل هي نقيض التقليد أم تجديد التراث؟ بمعنى آخر: هل نثور ونقطع مع كل ما هو تقليدي كما فهمت من دعوة محمد عابد الجابري، أم ننطلق من تراثنا عبر تجديده كما يدعو حسن حنفي؟ وما مدى جدوى وإمكانية كل خيار؟ ومن يفترض به التصدي لهذه المهمة؟ وهل من جهود مبذولة في هذا الشأن، وإلى أين وصلت؟

أسئلة تبدأ ولا تنتهي.. وكم من المؤسف مناقشة مثلها بينما بدأ الآخر منذ زمن نقاش مرحلة ما بعد الحداثة.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"