بقلم : طارق الهاشمي الأربعاء 19-08-2015 الساعة 02:11 ص

الإصلاح.. حيث يتسع الفتق على الراتق

طارق الهاشمي

المتظاهرون يستعجلون الإ صلاحات – وهم في ذلك محقون - لكن تنفيذها ليس بالأمر الهين ولا هو بالسهل، والمسؤول لوحده عاجز، والمهمة تتجاوز الإمكانات المتاحة، والوضع في غاية الحرج.... وماكان ليحصل ذلك لولا أن الفساد والعطب انتشر إلى درجة لا يمكن أن ينجح معها أي إصلاح....هل يعني ذلك أن العراق يواجه أفقا مسدودا؟ نعم ربما في الأمد القصير.

مطالب المتظاهرين واضحة (القضاء على ظاهرة الفساد...ملاحقة الفاسدين) وهم بين فقير معدم، أو محروم وعاطل عن العمل قادر عليه أو مواطن يطالب الدولة بحقه في الخدمة فلا يجدها بالكلفة القادر على تحملها... والغرض لايزيد على المطالبة بتحسين ظروف الحياة، بمعنى خدمة أحسن ومستوى معيشة أفضل، ولتحقيق ذلك لابد من عدالة اجتماعية تحقق التوزيع الأمثل للثروات بين العراقيين من جهة، وسياسات تعمل على إيقاف الهدر والتبذير أي ترشد الإنفاق من خلال الارتقاء بالإدارة، كبح الفساد المستشري كالمرض، ثم وضع الشخص المناسب بالمكان المناسب. تلبية هذه المطالب في إطار دولة تعيش ظروفا طبيعية ومشكلتها تكمن أساسا في السياسات الاقتصادية أمر ممكن، لكن بالطبع ليس هذا هو الواقع الذي يعيش فيه العراق، وهو واقع فريد وصعب بكل المقاييس.

ولهذا رغم أهميتها في تقليص نفقات لا ضرورة لها، فإن الرزمة الأولى والثانية من الإصلاحات والتي أطلقها العبادي والقاضية بدمج وزارات وإلغاء بعضها، إلى جانب الاستغناء عن مناصب هامة في الدولة وتجريدها من الحمايات الأمنية المرافقة هو بمثابة خطوة جريئة في سبيل الإصلاح، لكن التوفير مع ذلك لن يشكل إلا رقما صغيرا آخذين بنظر الاعتبار أن الحمايات سيجري تحويلهم للداخلية أو للدفاع ما يعني تضخيم ميزانية الحرب، ونفقاتها كما هو معروف ذات عائد صفري على التنمية والدخل القومي بينما إشكالية الاقتصاد العراقي تكمن في ارتفاع حصة النفقات الجارية (رواتب وأجور وإعانات وبدلات تقاعد) والتي تبلغ في حدود 78 بالمائة مقابل النفقات الاستثمارية التي تنحسر في حدود 22 – 25 بالمائة تقريبا وهي المعول عليها في التنمية ما يفضي إلى توفير فرص عمل للعاطلين وتحسين الخدمات وظروف الحياة، ورغم تدني النسبة فإن تخصيصاتها المالية التي تنصرف لبناء مشاريع جديدة أو تحديث وتطوير القائم منها فإنها في ظل الفساد الطاغي تستقطب اهتمام الفاسدين حيث يتنافسون حولها بشدة أيهم ينهب أكثر.

حتى توفر لقمة العيش لجائع، أو حبة الدواء لمريض، أو المقعد المناسب لتلميذ، أو المسكن الصحي لعائلة مشردة، أو كوب الماء الصالح للشرب....إلخ فإنك بحاجة إلى سنوات من الأمن والاستقرار، والعمل الجاد في بناء ما دمر يتعهده أقوياء أمناء تتوفر بين أيديهم ميزانيات كافية توظف في إطار خطط وبرامج للتنمية المستدامة تترجم إلى سياسات فاعلة يسهر على تنفيذها جهاز حكومي يؤمن بأن الخدمة العامة شرف ومسؤولية بل أمانة وليست منة ولا وسيلة للارتزاق والإثراء بالسحت الحرام....نحن إذا بحاجة للاستقرار أولا، إلى جهاز حكومي كفء، موظف حكومي نزيه، خطط وسياسات مالية واقتصادية سليمة، أموال كافية تعوض ما فقدناه بالهدر أو بالفساد، جهاز قضاء عادل ومستقل....وإلى شعب منتج، صبور...إلخ

لا يختلف اثنان أن ما ذكرته إنما هو الإطار النظري لأية تنمية ومن دونه يتعثر النمو والتقدم ويبقى العوز في المأكل والملبس والمسكن طاغيا لسنوات قادمة من الزمن، سيما وقد ضاعت على العراق والعراقيين فرص من الصعب تعويضها في المستقبل المنظور، دخلت ميزانية العراق منذ عام 2003 حتى عام 2014 ما مجموعه 800 مليار دولار!! صرفت إلى آخر دولار دون أن تترك أثرا يذكر وإن كان محدودا على مستوى معيشة المواطن أو تنمية البلد أو تقدمه، لاعجب في ذلك والتفسير الوحيد هو مابات يملكه أثرياء الصدفة من الفاسدين في الخارج. خذوا على سبيل المثال ميزانية عام 2014 والبالغة 140 مليار دولار قضى عليها المخلوع نوري المالكي عن بكرة أبيها حتى تركها خاوية حالها كحال قلب أم موسى. دون أن يرف له جف أو يوخزه ضمير...وهو فوق ذلك يرفض بإصرار تقديم أية إيضاحات أو كشف بالحسابات الختامية!! هذا هو حال العراق.

العراق يعيش خراباً، على جميع الصعد وفي مختلف أوجه الحياة، لن تفلح معه ترقيعات هنا وترميمات هناك، الراتق اليوم حيدر العبادي وأمامه فتق كبير، والغالبية من الشركاء لاتتعاطف لأنها مستهدفة، والحرب قائمة، والخبرات قليلة، والموارد محدودة، والشعب منقسم، والقيم تلاشت، والسيادة مفقودة....وبالطبع المحروم لن ينتظر.

الحاصل، العراق مريض، ومرضه خبيث، وهنا لا تنفع حبة دواء للتسكين، بل لابد أن يدخل عاجلاً غرفة الإنعاش.... العراق بحاجة لمقاربة جديدة، جريئة، فعالة ومدروسة.... لا نمطية ولا تقليدية تتعهد المراجعة والتغيير لتجربة عمرها ثلاثة عشر سنة.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"