بقلم : عبدالعزيز قاسم الإثنين 07-09-2015 الساعة 02:26 ص

عندما تكتب إيران تاريخنا الإسلامي

عبدالعزيز قاسم

كنت في مدينة بخارى التاريخية قبل عامين، وصادف أن حديث المجتمع هناك كان يدور حول مسلسل عمر بن الخطاب الذي أنتجته مجموعة الــ ( mbc )، وقد دبلج للغة الروسية، والمجتمع الأوزبكي بشرائحه كان متشوقا جدا لمعرفة تاريخه الإسلامي عبر هذا المسلسل، وهو الذي جثمت الشيوعية عليه طيلة سبعين عاما.

أعاد لي تلك الذكرى اليوم، مسلسل (محمد رسول الله) الذي أنتجته إيران بميزانية بلغت 40 مليون دولار، وهو الفيلم الأغلى في تاريخ السينما الإيرانية، وذكر مخرجه مجيد المجيدي أن زمن الفيلم 177 دقيقة، ويهدف لتعزيز الوحدة الإسلامية، وبث الأسبوع الماضي خلال أكثر من 147 دار عرض في إيران، ومن المتوقع أن يدبلج باللغة العربية والإنجليزية ويعرض في دور السينما العربية والعالمية.

السينما باتت اليوم تكتب التاريخ بديلا عن الكتب العتيقة، ومن يسبق في هذا الميدان فهو من سيصوغ رؤيته للتاريخ، وبالتأكيد أن إيران كسبت نوعا ما في هذا السباق، وإن كان سماحة مفتي عام المملكة والدنا الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ قال محذرا بأنه "فيلم مجوسي وعمل عدو للإسلام"، وحذّر من تداوله.. وقال سماحته في تصريحه لصحيفة الحياة اللندنية بأن "رسول الله صلى الله عليه وسلم منزه عن ذلك، والرسول له صفاته المعينة وخلقية معروفة، وهؤلاء يصورون شيئاً غير الواقع، فيه استهزاء بالرسول وحط من قدره، صلى الله عليه وسلم، لأن هذا عمل فاجر، ولا دين له، وإنما تشويه الإسلام، وإظهار الإسلام بهذا السوء".

طبعا مثل هذا التحذير من أعلى القمة الشرعية في السعودية له اعتباره، إلا أنه لن يمنع من رواج الفيلم إن لم يكن مساعدا في الدعاية له، والحل بما طالبت به دوما بالمزاحمة في هذه الساحة، وتأخرنا في الدخول له يكلفنا كثيرا، وأدعو هنا دولة قطر التي سبقت في مجال الإعلام أن تتبنى مشروع أفلام تاريخية عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كي نكتبها برؤيتنا التي تمثل السنّة، وتستعين بفريق علمي شرعي من السعودية وبقية الدول العربية السنية في تصحيح السيناريو، إننا بهذا نحفظ أجيالنا من المغالطات والتشويه للتاريخ الذي تقوم به إيران. قطر لديها الإمكانات المادية والإعلامية التي تجعلها تستثمر في إنتاج هكذا أفلام على مستوى احترافي عال، وفضلا على أن حدة المعارضة لمثل هذا المشروع الحسّاس يخف كثيرا مقارنة بما هو عندنا في السعودية مثلا.

ها أنا ألفت نظر الساسة في دول الخليج العربي إلى خطورة ترك إيران تصوغ تأريخنا عبر هذه الأفلام التي هي لسان العصر، والتي تقبل عليها الأجيال الجديدة أكثر بكثير من الكتب الدراسية أو كتب التاريخ الضخمة. الدراما أداة فاعلة ومؤثرة، وبدلاً من الاحتجاج على إيران بإنتاج هذا الفيلم الذي ستعقبه -ولا شك- أفلام أخرى، لماذا لا نخطو نحو ردة فعل إيجابية عبر امتطاء هذه الأداة وصوغ تأريخنا برؤيتنا؟

دعوني أذكّر هنا ما فعلته الدراما التي تعدّى دورها إيصال وتجذير الرسائل الفكرية في عقول المشاهدين، إلى إعادة كتابة التاريخ، ودونكم مثالاً: مسلسل (الملك فاروق) قبل أعوام، فقد فوجئ الجميع – وخصوصاً الأجيال الجديدة في مصر- بصورة مغايرة تماماً لما قرأوه وتعلموه عن الملكية، وقد شوّهها عسكر يوليو، وبدا الملك الشاب فاروق في صورة غير التي صوّرها ضباط الثورة بأنه سكّير وعربيد وزير نساء وجبان، لا سيما أن الممثل السوري تيم الحسن بوسامته وإتقان دوره؛ سحر المشاهدين، وكسب تعاطفهم، وقلب كل الانطباع السابق عن ذلك الملك المخلوع. وككل جيلي، تفاجأت بالصورة الجديدة للملك فاروق -على قلة الحلقات التي شاهدت– لكن المسلسل أقنعني، بديكوراته الباذخة، وجودة إخراجه، وحسن أداء الممثلين، علاوة على أنه صوتٌ وصورة، أكثر بكثير مما قرأته من نتفٍ يسيرة تائهة عن الملك فاروق، وعبر سطور جامدة مرت عليّ لماماً، ولم أحرص عليها.

هنا دعوة لدول الخليج بالانتباه لهذا التحدي الثقافي الإيراني الجديد، وأن أثر هذه الأفلام سيكون وخيما على أجيالنا إن أهملنا تصحيحه.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"