بقلم : شريف عبد الرحمن سيف النصر الأربعاء 21-10-2015 الساعة 02:06 ص

بين سياسات الهيمنة وسياسات التوازن

شريف عبد الرحمن سيف النصر

تناولت هذه الزاوية في مقال سابق مسألة التدخل الروسي في الأزمة السورية، وذهبت إلى أن الواقعية التي تحكم سلوك الروس تتيح لهم تسجيل نقاط أكثر فيما يتعلق بالقدرة على إظهار القوة وممارسة التأثير، مقارنة بالأمريكيين المترددين، ولكن هل يعني التردد الأمريكي أن ما يحكم سلوك أمريكا الخارجي شيء آخر بخلاف الواقعية السياسية؟

الإجابة المباشرة هي النفي، فكلا الطرفين يدينان بالواقعية السياسية ويعتنقان مذهب القوة، ولكن وفق نسختين مختلفتين، الأولى هي "واقعية الهيمنة"، والثانية هي "واقعية التوازن". وفيما تشير الأولى إلى أن المصلحة القومية قرينة سياسات الهيمنة، تشير الثانية إلى أن المصالح القومية للدولة يمكن تحقيقها من خلال فرض نمط معين من التوازن.

وكما أشرنا في المقال السابق ينتمي بوتن إلى المدرسة الأولى (واقعية الهيمنة)، حيث يؤمن أن التدخل العسكري المباشر هو ما يحفظ لبلاده هيبتها على المستوى الدولي، وقد مارس بوتن هذا التدخل بالفعل خلال الأزمة الأوكرانية، ثم هاهو يكرره من خلال تفاصيل الأزمة السورية. وكما هو معلوم فإن الروس يمارسون التدخل للحفاظ على الهيمنة بالمعنى النسبي، وليس بالمعنى المطلق، فهم يفهمون أن التربع على قمة النظام الدولي لم يعد في استطاعتهم، وأن أقصى ما يمكنهم المناورة بشأنه حاليا هو مزاحمة الولايات المتحدة، وليس الاستيلاء على مكانتها أو إزاحتها عنها. من هذا المنطلق يرى الروس أن ترك حليفهم (بشار الأسد) في مواجهة خطر السقوط، يخصم من هيبتهم المتآكلة أصلاً (بفعل الاتفاق النووي بين أمريكا وإيران)، وقد يكتب نهاية لدورهم التاريخي في هذا البقعة المهمة من العالم.

أما أوباما فيعتقد أن استقرار المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط يمكن أن يتحقق من خلال سياسات التوازن، وهذه لا تتضمن التدخل العسكري المباشر بالضرورة. فالنسخة الأمريكية من الواقعية السياسية تفترض أن محدودية المصالح تبرر عدم التورط العسكري، وعليه فإنه رغم أن أمريكا تريد التخلص من تنظيم الدولة ونظام بشار، فإنها تفضل أن يتم ذلك من خلال تدخل متوازن، تشترك فيه مع تحالف متعدد الأطراف، يضم كلاً من السنة والشيعة، والعرب والأتراك، فالتدخل - من وجهة نظرها- لا ينبغي أن يكون ذا صبغة أمريكية فحسب، ولكن يشمل كل الألوان السياسية والعقائدية أيضاً.

من ناحية أخرى يستبعد أوباما من حساباته ما يسمى بـ"الهندسة الاجتماعية"، أو إدعاء القدرة على إعادة تشكيل المجتمعات في البلدان التي يتم التدخل فيها، خصوصا إذا ما كانت هذه البلدان تعاني أصلاً من انقسامات داخلية لا يمكن حسمها أو علاجها، كما هو الحال في معظم بلدان الشرق الأوسط، ومن هذا المنطلق يمكن أن نفهم السبب وراء قراراته الانسحابية من العراق وأفغانستان، فضلاً عن إحجامه فيما يتعلق بالوضع السوري. حيث ترى إدارة أوباما أن إعادة بناء الدول في أعقاب التدخل العسكري هي عملية معقدة ومكلفة للغاية، ولهذا فإنها - بمنظور المصلحة القومية الضيق - تعد أمرا غير ضروري.

وقد عبر أوباما عن طبيعة تصوره لمفهوم "القيادة - الهيمنة العالمية" في ثنايا حديثه لإحدى القنوات الأمريكية مؤخرا بالقول "إنه إذا كان ما يقوم به (الروس) من طرح للاقتصاد أرضاً، وإرسال القوات خارج البلاد لدعم حليف، يعتبر قيادة، فإن لدينا تعريفا مختلفا للقيادة". وذلك في تأكيد على أن إدارته تعطي الأولوية للاعتبارات الاقتصادية، وتستبعد فكرة التدخل لمجرد إنقاذ حليف خارجي. وهو المعنى الذي ترجمه أوباما على نحو عملي خلال الثورة المصرية، عندما تخلى عن حليفه مبارك، وامتنع عن التدخل لصالحه، ولكنه نجح في استعادة التوازن الذي تحتاجه المصالح الأمريكية من خلال الاعتراف بخليفته "العسكري" الذي رأت الإدارة الأميركية أنه قادر - بحكم الأمر الواقع - أن يضمن لها مصالحها.

وكما نأى أوباما بنفسه عن التدخل في الشأن المصري، وترك التفاعلات حتى وصلت إلى نقطة توازن تسمح له بالاستفادة منها، فإنه يبدو على استعداد لأن ينتظر حتى تصل الأمور في سوريا إلى نقطة مشابهة، تسمح له باستعادة الاستقرار من دون تكلفة عالية، حتى لو تضمن ذلك التغاضي عن التدخل الروسي، والذي تم على نحو لا يخلو من الاستعراض.

هذا وقد تعهد أوباما بالعمل خلال ما تبقى من رئاسته على أن تظل بلاده في المركز الأول كقوة عظمى على مستوى العالم، ولكنه أعرب عن شكوكه في أن يكون المقياس الوحيد لذلك هو أن ترسل بلاده بقوات إلى الخارج. مؤكداً أنه لن "يقع في الخطأ مجددا، (ولن) يقوم بدور شرطي المنطقة، (ولن) يحاول حكم المنطقة بالنيابة عن أهلها".

المشكلة التي تواجه الإدارة الأمريكية الحالية أنها وإن كانت تدعم سياسات التوازن وتصر عليها، فإن خصومها من الجمهوريين أكثر اقتناعا بسياسات الهيمنة. ولا ننسى أن مشروعات مثل "القرن الأمريكي"، و"الفوضى الخلاقة"، و"التدمير البناء"، و"حرب النجوم"، ظهرت كلها خلال ولاية رؤساء جمهوريين. وفحوى كل هذه المشروعات كان هو فرض الاستقرار بالقوة من خلال الهيمنة الصريحة. وعليه فإنه حتى إذا كانت حسابات التوازن هي ما يحكم سلوك الإدارة الديمقراطية الحالية، فإنه قد تضطرها الضغوط التي يمارسها الجمهوريون إلى مجاراة السلوك الروسي (عن طريق تسليح المعارضة السورية على نحو أكثر فاعلية على سبيل المثال)، حتى لا يصبح الطريق إلى البيت الأبيض ممهدا تماما أمام الجمهوريين في انتخابات الرئاسة القادمة.

الغائب الحاضر عن هذه الصورة الإقليمية المربكة هو المشروع العربي، فإذا كان للروس مشروعهم القائم على الهيمنة وكان لأمريكا مشروعها القائم على التوازن، فما هو المشروع العربي، وعلى ماذا يقوم، وهل يمكن بالفعل بلورة مشروع عربي موحد في ظل حالة التفكك التي تعاني منها المنطقة العربية حالياً؟ وإذا أمكن لذلك المشروع أن يتبلور، فعلى يد من يمكن أن يتم ذلك؟ أسئلة تستدعي قراءة خريطة التفاعلات الإقليمية على نحو تفصيلي على نحو ما سنحاول في مقالات لاحقة إن شاء الله.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"