بقلم : شريف عبد الرحمن سيف النصر الأربعاء 04-11-2015 الساعة 02:06 ص

فكرة القوة وقوة الفكرة

شريف عبد الرحمن سيف النصر

عرضنا في المقالات السابقة للنظرية الواقعية التي تفسر سلوك الدول على أساس من "المصلحة الوطنية"، وتفترض أن فوضى النظام الدولة تجبر الدول على انتهاج سلوكيات براجماتية بحتة. فالفوضى الدولية (والتي تشير إلى عدم وجود حكومة عالمية) تتيح نظريا لكل دولة أن تبادر بشن العدوان على الآخرين إذا رأت أن ذلك في مصلحتها، وتجنبا لحالة حرب الجميع ضد الجميع توصي النظرية الواقعية الدول بالعمل على زيادة قدراتها العسكرية وإعطاء الموضوعات الأمنية الأهمية القصوى، على اعتبار أن هذه الموضوعات تمس وجودها المادي. ولكن إذا كان الواقعيون ينتصرون لـ"فكرة القوة"، فإن هناك من ينتصرون لـ"قوة الفكرة"، ويعتبرون أن الأفكار وليس القوى المادية هي المحرك الأساسي للعلاقات بين الدول. ووفقا لهؤلاء تشكل "الأفكار" الأساس الضروري لعلاقات القوة، كما أنها تفسر ما لا تستطيع القدرات والإمكانات المادية المجردة للدول أن تفسره. فما تتبناه الدولة من قرارات وبدائل، لا يرتبط فقط بالمعطيات المادية المتاحة لها، وإنما بمقوماتها الفكرية وشخصيتها الثقافية.

أبرز الاتجاهات النظرية التي تتبني هذه المقولات هي النظرية البنائية (Social Constructivism) والتي تذهب إلى أن الأفكار والقيم السياسية هي ما يفسر تفاصيل الواقع وما يشهده من تفاعلات، وأن فوضى النظام الدولي تمثل عنصرا محايدا، قد تدفع بالدول إلى الصراع ولكنها تحمل أيضا إمكانات للتعاون، فما يصنع الفارق الحقيقي هو شخصية كل دولة، وهويتها الثقافية والفكرية والعقائدية. وبناء على هذه الاتجاه النظري يصبح السؤال الأهم ليس مقدار ما تحوزه الدولة من قوة اقتصادية أو قدرات عسكرية، وإنما هو ما الذي تعتقده الدولة بخصوص نفسها، وما طبيعة الدور الذي تود أن تلعبه، أو على الأقل ترى نفسها مؤهلة للعبه. وبناء على هذه الافتراضات تفسر النظرية لماذا - رغم قوتهما التكنولوجية والاقتصادية الهائلة- لا تمارس دولتان مثل اليابان وألمانيا أدوارا سياسية فاعلة على المستوى الدولي، ولماذا يفضلان عدم الانخراط في أي عمل ذي طبيعة عسكرية. فهاتان الدولتان لا ترغبان في النظر إلى نفسيهما على أنهما قوي كبرى على المستوى العسكري، حيث تشكلت شخصيتهما بعد الهزيمة الساحقة في الحرب العالمية الثانية على نحو يحول بينهما وبين حيازة نزعة تداخلية في شؤون الغير. المسؤول عن سلوك هاتين الدولتين في هذه الحالة هو طبيعة أفكارهما الذاتية وليس قدراتهما الفعلية أو مصالحهما القومية، بعبارة أخرى فإن المتغير الحاسم هنا هو الأفكار المبدئية والشخصية الثقافية وليس المصلحة الجامدة أو الرغبة في النفوذ كما تفترض النظرية الواقعية.

المشكلة في عالم الأفكار أنها ليست ملكا لمن يصوغها، فعندما تتكون شخصية ما لدولة من الدول، تبدأ الدول الأخرى في التعامل معها على أساس ما تتصوره عنها، وليس على أساس هويتها الفعلية، الأمر نفسه داخلياً، فما أن يصل حزب ما ذو نسق فكري معين إلى السلطة حتى يبدأ الناس بالتعامل معه على أساس ما يتوقعونه منه، وليس على أساس شخصيته الفعلية. وربما يفسر هذا جانبا من فشل تجربة الإسلاميين في الحكم في أعقاب الربيع العربي، فمن الواضح أن الشعوب العربية تمتلك أفكارا سابقة التجهيز (إيجابا وسلباً) بشأن "نمط الحكم الإسلامي"، ومن ثم فقد حاكموا الأنظمة الإسلامية المنتخبة على أساس ما يتوقعونه منها وليس على أساس ما قامت بتحقيقه فعليا.

وبطبيعة الحال تتحمل الأحزاب الإسلامية قدرا كبيرا من المسؤولية عن هذا الفشل، فقد. وعلى العكس من تجربة الحكم المتعثرة للأنظمة الإسلامية في دول العالم العربي، يمكن تفسير نجاح تجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا بمراعاة قادته لهذه الجزئية، فالمكون الحضاري، والمحتوى الفكري، والأساس الثقافي يبدو واضحا في خطاب قادة هذه الحزب، كما يجيد هؤلاء مخاطبة توقعات الناس وهواجسهم على نحو إيجابي، حتى لو تصرفوا وقت التطبيق على نحو لا يتسق بدرجة كاملة مع هذه التوقعات. الانتخابات التركية بهذا المعنى تمثل درسا للأحزاب الإسلامية المنكوبة في العالم العربي، حول كيفية استثمار قوة الأفكار، طالما تعذر عليها أن تمتلك أفكارا لزيادة القوة.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"