بقلم : شريف عبد الرحمن سيف النصر الأربعاء 11-11-2015 الساعة 01:55 ص

لماذا لا يفهمون الشرق الأوسط؟

شريف عبد الرحمن سيف النصر

ترتبط السياسة في الغرب بأطر نظرية تنطلق منها، فمعظم الخبراء والإستراتيجيين في الإدارات الأمريكية المختلفة عادة ما يكونون أكاديميين سابقين، لذا تغلب على نصائحهم الصبغة النظرية المنطلقة من خبرتهم الأكاديمية. وإذا كنا قد بينا أن الطاقم الاستشاري للإدارة الأمريكية الحالية تغلب عليه النزعة الواقعية، فإن الملاحظ أن الشرق الأوسط يكاد أن يقع بشكل كامل خارج نطاق فرضيات النظرية الواقعية، الأمر الذي يجعل نصائح هؤلاء الخبراء لا تصب في فهم المنطقة أو التعامل معها على نحو سليم.

فإذا كان التفكير الواقعي يهتم بدراسة سلوك وأفعال ومشكلات "الدول" بوصفها الوحدات السياسية "الوحيدة" القادرة على التصرف "بعقلانية" سعيا لتحقيق مصلحتها القومية. فإنه لنفس هذه الأسباب لا يمكن فهم المنطقة على أساس من الافتراضات الواقعية، فالدولة في إطار العالم العربي، ليست الوحدة السياسية "الرشيدة" ولا "الوحيدة"، فمن ناحية تعد "الدولة" في العالم العربي مظهرا من مظاهر أزمات هذا الإقليم، سواء من حيث الطريقة التي تكونت ثم تطورت بها أو من حيث أسلوبها في حل مشكلاتها الداخلية أو الخارجية. ومن ناحية أخرى فإن الدولة في العالم العربي ليست الفاعل الوحيد والحصري فيما يتعلق بمجمل التفاعلات الإقليمية والدولية التي تشهدها المنطقة.

ففي إطار الأزمات التي تشهدها المنطقة منذ تعثر الربيع العربي، ظهر واضحا أن ثمة كيانات أخرى من غير الدول تشكل فواعل رئيسية في هذه الأزمات، أبرزها الحركات الدينية المسلحة، والتي يطلق عليها البعض اسم "الحركات الجهادية"، فيما يشير إليها آخرون باسم "الحركات الإرهابية".

هذه الجماعات لا يمكن فهمها ولا التنبؤ بسلوكها وفق الافتراضات الواقعية، فبشكل عام تشكل هذه الجماعات كيانات غير قومية، ومن ثم لا يمكن الحديث عن مفهوم "المصالح القومية" كدوافع محركة لسلوكها. ومن ناحية ثانية فإنها جماعات غير نظامية، لا تمتلك جيوشا بالمعنى التقليدي، ولكنها تشكل تهديدا حقيقيا للدول الإقليمية والكبرى على حد سواء.

وإذا كان الواقعيون يؤمنون أن الأطراف الأضعف ليس أمامها سوى محاولة موازنة الأطراف الأقوى أو مسايرتها، فإن الجماعات الجهادية تقع مرة أخرى خارج النطاق التفسيري لمقولاتهم، ذلك أن هذه الجماعات (على خلاف الأنظمة الرسمية التي عادة ما تختار الانضواء تحت قدرات الولايات المتحدة) تعلن حالة من العداء الصريح للإدارات الأمريكية وللقوى النظامية المتعاونة معها إقليمياً رغم أن القدرات المادية لهذه الجماعات لا تتناسب على الإطلاق مع ما تتبناه من أهداف.

ونظرا لخروج هذه الكيانات عن الإطار التفسيري للنظريات الواقعية، فشل الواقعيون في توقع أو تفسير أحداث 11 سبتمبر، كما اضطربوا في تحديد نتيجة تدخل الولايات المتحدة في كل من العراق وأفغانستان، فرغم التفوق العسكري الواضح الذي أظهرته الولايات المتحدة في كلا الحربين، فما زال لأفكار طالبان نفس بريقها، ومازالت المقاومة العراقية تكتسب زخما يتمدد خارج حدود الدولة العراقية.

وبطبيعة الحال تسربت الرؤية الغربية القاصرة في مواجهة هذه الظاهرة إلى عدد من الأنظمة الإقليمية الحليفة للولايات المتحدة، ورأينا حروبا مصغرة تتم داخل عدد من الدول العربية ضد من يوصفون بأصحاب الفكر الجهادي المتطرف، ولكن نتيجة هذه الصدامات لم تكن أفضل من نتيجة الحرب التي شنتها الولايات المتحدة من قبل ضد ما تصفه بـ"الإرهاب". ويبدو وجه القصور في الحالتين واحدا، وهو استخدام منطق القبضة الغليظة في التعامل مع مشكلة ذات طبيعة فكرية وثقافية بالأساس. الأمر الذي يهدد بجر المنطقة ككل إلى عواقب شديدة الخطورة، فهل تمكن الاستعاضة عن منطق القوة (الذي تعبر عنه النظرية الواقعية) بمنطق آخر أكثر مراعاة لطبيعة هذه الأزمة، تزعم النظريات البنائية أنها تملك طرحا أكثر إيجابية نناقشه في مقالة تالية، إن شاء الله.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"