بقلم : طارق الهاشمي الخميس 12-11-2015 الساعة 01:14 ص

الانتخابات التركية.. راحت السكرة وحلت الفكرة

طارق الهاشمي

الانتخابات التركية المبكرة التي جرت في الفاتح من نوفمبر كانت كبيرة في كل شيء، لايقتصر الأمر على الانتخابات نفسها باعتبارها ممارسة ديمقراطية وقد كانت كبيرة في مهنيتها ودقة تنظيمها وشفافيتها بل في وعي المواطن التركي ونضجه الذي انعكس في حجم المشاركة، بل تجاوز ذلك إلى النتائج و امتد ليشمل الاستحقاقات المترتبة على تلك النتائج، والتي تفرض على الحزب الفائز العدالة والتنمية تحديات كبيرة في الداخل والخارج. باختصار خرجت تركيا من هذه الانتخابات وهي أكبر.

لم يحلم أحد ولم يتوقع حتى الحزب الحاكم نفسه الحصول على تلك النتائج الكبيرة التي تحققت، إذ كان من الصعب بل ربما من المستحيل أن ينتزع الحزب 59 مقعدا من الأحزاب الرئيسة المعارضة الثلاثة ويرتفع رصيده من 258 في الانتخابات السابقة إلى 317 مقعدا عما حققه في يونيو الماضي وأن يقنع مايقارب خمسة ملايين ناخب للتصويت لصالحه بجدارة وحكمة بعد أن كانوا صوتوا في الانتخابات السابقة للمعارضة، حصل ذلك خلال فترة قياسية لم تتعد خمسة شهور في خضم خلافات وطنية حول ملفات هامة تعني بتعديل الدستور وملفات الاقتصاد والامن والعلاقات الدولية وتمتد للحريات والحقوق الأساسية وغيرها، في هذه الانتخابات خرج فقط العدالة والتنمية فائزا بينما خسرت أحزاب المعارضة جميعها ، بل اللافت للنظر أن العدالة والتنمية حصل على أصوات جديدة في جميع ولايات تركيا 81 دون استثناء، إنه في الواقع فوز كاسح كبير.

حزب العدالة والتنمية حصد أكثر المقاعد، وأكثر الاصوات، وتقدم الصفوف بفارق كبير 183 مقعدا عن أقرب الفائزين وهو حزب الشعب الجمهوري.

وكانت تركيا شهدت حالة من الفوضى انهار فيها سعر الليرة التركية وتراجع الاقتصاد وزادت هجمات تنظيم الدولة على البلاد خاصة بعد موافقة تركيا على فتح قواعدها الجوية لطيران التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، كما إنهارالسلام مع به كه كه ( حزب العمال الكردي ) وعاشت تركيا أجواء محنة وطنية كان المفروض أن تدفع بأحزاب المعارضة القبول بعرض العدالة والتنمية تشكيل حكومة تحالف وطني، لكنها بدل ذلك تصرفت في إطار منطلقاتها الحزبية وحساسياتها الشخصية وهو ماانعكس على الخطاب السياسي الذي انصرف للسجال والمماحكات السياسية بدل الدعوة لوحدة الصف وتوحيد الكلمة لمواجهة التحديات الوطنية.

كانت حالة عدم الاستقراركابوسا لم يعهده الاتراك خلال مايزيد على قرن من الزمن بعد أن كانوا تفاخروا ومعهم الإسلاميون في العالم بأن تركيا الجديدة إنما تصنع النموذج المنتظر لنمط في الحكم ناجح، ركيزته بلد متماسك ينعم بإقتصاد مزدهر. وكانت الأجواء المشحونة والمتوترة هي التي دخل في ظلها الأتراك الانتخابات يوم الأحد الماضي الأول من نوفمبر / نوفمبر.

رغم ذلك لم يؤثر هذا السجال الوطني حول مسائل جوهرية على نفسية الناخب التركي بل حصل العكس إذ شارك مايقارب 86 % ممن يحق لهم الانتخاب في هذه الانتخابات، وهذه ظاهرة تسجل لصالح وعي الشعب التركي ورغبته الأكيدة في رسم مستقبله السياسي والاقتصادي بنفسه، نسبة المشاركة هذه هي إحدى المعالم الكبرى للانتخابات.

مع نضج سياسي شعبي مقترنا بذكاء حزب العدالة والتنمية في إدارة الحملة الانتخابية صوت الشعب التركي لتركيا أفضل، أمنا و إستقرارا وإزدهارا، وأستطاعت تركيا أن تخرج من تجربة الشهور الخمسة الماضية بكل مافيها من إرهاصات ومنغصات وهي أصلب عودا، مايؤهلها التصدي بنجاح لتحديات كبرى على الصعيدين الداخلي والخارجي. الشعب التركي صوت لتركيا قوية، بزعامة قوية، وحكومة قوية، وهو مطلب لن يتحقق دون حكومة يمكن أن يشكلها حزب واحد.

وبعد أن استقر غبار المعركة وخفتت الاصوات وهدأت النفوس وقبلت النتائج رغم أنها ليست نهائية، راحت السكرة وحلت الفكرة، وحان وقت العمل، ربما خلال إسبوع حيث يشكل الحزب الفائز حكومة جديدة لوحده وعندها يكون قد أزف أجل السداد. لقد أصبحت الانتخابات البرلمانية الأخيرة جزءا من الماضي وتحولت الأنظار الآن إلى الوعود التي قطعها العدالة والتنمية على نفسه خلال الحملة الانتخابية ساعيا قيادته دفة الحكم منفردا وهذا ماتحقق.

مكافحة الإرهاب وتكريس الأمن، تعزيز الاقتصاد وتحقيق المزيد من الرفاه ، التمحور حول الهوية الوطنية، معالجة ظاهرة الاستقطاب السياسي والانقسام الوطني الحاد، معالجة تداعيات وإنعكاسات حالة الفوضى والاضطراب في الدول المجاورة، سوريا والعراق، الدور المحوري الأقليمي المنتظر...تحديات ذات أسبقية على أجندة الحكومة المقبلة، هي بالتاكيد بحاجة الى حكومة قوية متماسكة وليست حكومة شركاء متشاكسون تضيع فيها مصالح الوطن والمواطن في جدل عقيم أوسجالات ومناكفات لانهاية لها، لكن طريقا سالكا دون مطبات تمضي فيه مسيرة الإصلاح بسلاسة وسرعة ويسر يبقى بحاجة لمشاركة الجميع، وهو ماأكده رئيس الوزراء التركي "أحمد داود أوغلو"، عن عزم حزب العدالة والتنمية العمل خلال الفترة المقبلة بنهج مختلف، خال من كافة أشكال الإقصاء والاستقطاب والعنف...حسب قوله.

لكن المهمة تتجاوز إصلاح مافسد خلال الشهور الخمسة الى ماهو أكبر أي تغييرنمط نظام الحكم مايستدعي كتابة دستور جديد وهي المهمة التي كما ذكر نائب رئيس الحزب تحظى بالأهمية المطلقة.حيث أعرب جليك عن الحاجة الشديدة إلى دستور جديد في البلاد من أجل الاستجابة لنمو الاقتصاد والديمقراطية التركية، ومقارعة بعض التحديات في العالم المعاصر، مشيراً إلى أن هذه المسؤولية لا تقع على عاتق حزب العدالة فقط، وإنما على كافة النواب الذين أوصلهم الشعب إلى البرلمان...على حد قوله.

وهذا دليل شعور بالمسؤولية الوطنية وهومؤشر جديد على نية حزب العدالة والتنمية عدم الانفراد بالحكم رغم قدرته على تشكيل الحكومة منفردا.

الأهداف التي سطرها حزب العدالة والتنمية كبيرة لكنها مع ذلك ليست طوباوية أو خيالية، إنها لم تصدر عن قيادة حالمة هدفها دغدغة عواطف الناخب بل هي أهداف واقعية ممكنة التنفيذ كانت إعتمدت بناءا على تحليل موضوعي وحاجة حقيقية، وتأتي في إطار المسيرة النهضوية لحزب العدالة والتنمية ورؤيته لتركيا عام 2023، ومن خلال العناوين الكبيرة الأربعة التي رفعها الرئيس أردوغان ( شعب واحد، علم واحد، وطن واحد، دولة واحدة ) لن يكون أمام تركيا مستحيل، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم وما أكثر المتحقق منها على بحر الثلاث عشر سنة المنصرمة، بل ماأكثر ماسيتحقق منها حتى ذلك التأريخ.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"