بقلم : شريف عبد الرحمن سيف النصر الأربعاء 18-11-2015 الساعة 01:12 ص

إنهم يقتلون المدنيين!

شريف عبد الرحمن سيف النصر

هل تقتل الدول المدنيين؟ نعم إنها تفعل أو على الأقل بعضها يفعل. فلماذا تبدو تفجيرات باريس الأخيرة والتي نفذتها إحدى «الجماعات الجهادية» مدانة على نطاق عالمي؟ الإجابة المباشرة عن هذا التساؤل هي أن هذه الجماعات تستحضر مكونا محظورا في الصراعات الدولية وهو المكون الثقافي والهوياتي. فالجماعات الجهادية تحدد أهدافها على أساس من الهوية وهو ما يحرم أفعالها من الشرعية، أما الدول فإنها تنطلق في صراعاتها من اعتبارات المصلحة القومية «المشروعة»، ومن ثم فإنها تبرر ما توقعه من خسائر في الأرواح بين المدنيين وغيرهم بزعم تحقيق مصالح مواطنيها. آفة المكون الهوياتي تكمن في طابعه الأزلي والنهائي، إذ ينطلق من مجموعة مقولات عابرة للزمن، تستحضر ألوانا من التناقضات التي لا يمكن حلها، وتستبطن تعارضات لا سبيل إلى معالجتها. فالثنائيات الهوياتية عادة ما تأخذ شكل المعادلات الصفرية التي تهدد وجود أحد الأطراف المتصارعة، فالهزيمة فى إطار صراع من هذه النوعية من شأنه لا أن يلحق فقط بالمهزوم خسارة يمكن تعويضها، ولكن أن يضع وجوده على المحك. ولهذا تحرص الدول على عدم التورط في صراعات هوياتية، وتستعيض عنها بصراعات وحروب المصالح القومية. وحتى إذا تبنت الدول في صراعاتها شعارات ثقافية لا لبس فيها كالدفاع عن العلمانية أو نشر الديموقراطية، فإنها تحرص على أن تطرح هذه الشعارات كأهداف محايدة ومنافع عامة، وليس كتبريرات ثقافية تناسب بعض الهويات فيما تتعارض مع أخرى. من ناحية ثانية تفهم الدول القومية أن استحضار المكون الثقافي في الصراع يشحذ نفس الرغبة لدى الآخرين، وينتهي إلى حالة من الاستقطاب المتصاعد. ولهذا فإن العقلية البراجماتية للدولة الحديثة تجعلها تحجم عن تصدير خطاب الهوية، حتى لا ينتهى بها المطاف إلى صراعات ثقافية لا نظامية لا قبل لها بها. والسؤال المطروح حاليا هو هل ستغير تفجيرات باريس من هذه القناعات؟ إن ضخامة الحدث تبرر أن تقفز الهوية إلى السطح على نحو صريح لا لبس فيه. ولكن المتوقع فعلياً أن يتم الإصرار على نغمة «المصالح القومية»، والتأكيد على هامشية المكون الثقافي الهوياتي للصراع. مع تصدير تيمة الإرهاب العالمي، الذي يحقق دورا وظيفيا في هذا الخصوص. تكمن في أنه يعفى الدولة من عبء تبرير سياساتها ذات المضمون الهوياتي، فعلى الرغم من أن ما تسميه الدول بالإرهاب يحوي مكونا ثقافيا وهوياتيا واضحا، إلا أن الدول يمكنها مواجهته من دون الوقوع في فخ الصراعات الحضارية. كما أن استدعاء مقولة الإرهاب يعطي مسوغا قانونيا وليس ثأريا للأفعال ذات الطبيعة الانتقامية التي قد تمارسها الدول ردا على ما تتعرض له من هجمات، فالإرهاب يوفر مظلة قانونية للدول لارتكاب أفعال قد لا تختلف كثيرا عن تفجيرات باريس لا فى الشكل ولا فى النتيجة. الفارق هنا أن الدول يمكنها أن تدعي أنها إنما تأخذ بقاعدة محايدة وعامة (القانون)، في مواجهة الطرف الآخر (الجماعات الجهادية) الذي يستحضر اعتبارات ثقافية خاصة ليبرر بها أفعاله. ثمة مقاربات أخرى يمكن أن يتم اللجوء إليها فى هذا الإطار تتضمن الخلط بين مفهوم المصلحة القومية ومفهوم الهوية. هذه المقاربات ربما تعمد إلى طرح المصلحة القومية فى إطار هوياتي، بحيث يتم الحديث عن الهوية بشكل يخلط بين المصلحي بالثقافي، فالضربات الانتقامية والإجراءات الاستثنائية والقوانين العرفية يمكن أن يتم تمريرها فى إطار من إنقاذ الهوية/المصلحة القومية. (مثلما تم في إطار التجربة المصرية مؤخرا حينما تم تبرير الانقلاب على النظام القائم بضرورات الحفاظ على الهوية المصرية، بوصفها أحد مكونات الأمن القومي المصري). وأيا ما كان السبب الذي يمكن أن تبرر به أفعال الدول في مواجهة أفعال الجماعات من غير الدول، فإن الملاحظ أن هذه الجماعات قد اكتسبت قوة فى إطار التفاعلات الإقليمية والدولية، وقدرة على إخراج الأنظمة عن توازناتها ودفعها إلى الوقوف في موقف رد الفعل، وهو الأمر الذي لم تعتده الأنظمة الكبرى، ولا وكلاؤها الذين اعتادوا مواجهة التحديات النمطية.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"