بقلم : فهد محمد النعيمي الإثنين 23-11-2015 الساعة 01:30 ص

جائزة الشيخ حمد للترجمة تؤصل ثقافة المعرفة والحوار

فهد محمد النعيمي

تعرف الترجمة بأنها عملية تحويل نص أصلي مكتوب يسمى (النص المصدر) في اللغة المصدر إلى نص مكتوب (النص الهدف) في اللغة الهدف، وتعد الترجمة نقلا للحضارة والثقافة والفكر، كما تعرّف بأنها علم من العلوم التي تنقل من خلالها الحضارات والثقافات والعادات، فهي تبني حواراً بين الجماعات البشرية المختلفة، وتيسر التواصل والتفاعل بين هذه الجماعات على كل الأصعدة.

يعود تاريخ الترجمة إلى قديم الزمن عندما بدأت الشعوب تتواصل فيما بينها لأغراض التجارة ويذكر أن حمورابي في الألفية الثانية قبل الميلاد وضع قانونه بعد الاطلاع من خلال المترجمين على قوانين بعض الدول المحيطة. وكان العرب في رحلتي الشتاء والصيف يتواصلون مع الفرس والروم، وفي رحلة الشتاء مع الأحباش الأمر الذي اضطرهم لتعلم هذه اللغات ونقل الكثير من فنون وعادات تلك الشعوب إلى السياق العربي. لكن في العصر الأموي ازدهرت الترجمة بتشجيع من خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان والذي كان شغوفاً بالعلم، الأمر الذي دفعه إلى تقريب المترجمين منه وإغراق المال والهدايا عليهم.

وبلغت الترجمة في العصر العباسي أوجها وبخاصة في عهد هارون الرشيد وابنه المأمون، وبزغ نجم المترجم حنين بن إسحاق وابنه إسحاق بن حنين اللذين انكبّا على ترجمة آثار اليونان وبخاصة أعمال أرسطو في الأخلاق والمنطق، ويروى أن المأمون كان يكافئ المترجمين المتميزين وزن كتبهم ذهبا.

وفي العصر الأندلسي كانت هناك ترجمة معاكسة حيث انكب الأوروبيون على ترجمة الكتب العربية التي جاءتهم من الأندلس. أما في العصر الحديث فتشير المعلومات إلى أن محمد علي باشا اهتم بالترجمة اهتماماً بالغاً من أجل بناء مصر الحديثة، وأوفد الطلاب المصريين إلى الدول الغربية وبخاصة فرنسا لتعلم اللغة ولترجمة الكتب التي يمكن أن تساهم في بناء مصر الحديثة.

وتنبع أهمية الترجمة كونها المسار الثاني لخلق المعرفة ومن ثم توظيفها حيث إن المسار الأوّل هو البحث العلمي، ولأن البحث العلمي له متطلبات عديدة مثل الجامعات وهيئة تدريس وبرامج دراسات عليا وأحياناً مختبرات علمية بخلاف الترجمة التي متطلباتها أقل من ذلك بكثير.

ولأنه من المتعذر إن لم يكن من المستحيل تغطية كل مجالات المعرفة من خلال البحث العلمي تصبح الترجمة ضرورة لا يمكن العمل بدونها ولذا اهتمت الدول بهذا الجانب المهم.

تشهد الترجمة نشاطاً غير مسبوق في كل أرجاء العالم ما عدا العالم العربي، فرغم تزايد أعداد الكتب المترجمة، إلا أنها قياساً لباقي الدول تكاد تكون لا تذكر، فعلى سبيل المثال يترجم العالم العربي والذي يبلغ عدد سكانه الـ270 مليون نسمة أقل من ألف كتاب سنوياً، في حين تترجم إسبانيا أكثر من 10.000 كتاب سنوياً، ولا يتجاوز عدد سكانها 38 مليون نسمة، أما في الولايات المتحدة فقد بلغ عدد الكتب المترجمة أكثر من 120.000 كتاب.

وفي قطر بدأت مسيرة النهضة العلمية الحديثة في منتصف التسعينيات، حيث تم إنشاء المدينة العلمية والتي افتتحت بها مجموعة من أهم الجامعات العالمية فروعاً لها وبدأ بعضها الآن برامج الدراسات العليا كما نشط البحث العلمي، الأمر الذي أصبحت معه دولة قطر من الدول العربية النشطة في هذا المجال.

وبعد ذلك كان من الطبيعي أن تهتم قطر بالترجمة فأنشأت معهد دراسات الترجمة بجامعة حمد بن خليفة والذي يعد نقلة نوعية، حيث أصبحت الترجمة عملاً مؤسسياً بعد أن كانت لفترة طويلة عملاً فردياً. واليوم يتم تتويج هذه المسيرة بـ"جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي" التي تأسست في العام الحالي، وهي جائزة عالمية يشرف عليها مجلس أمناء مستقل، ولجان تحكيم محايدة، ولجنة تسيير احترافية تشكلت لهذا الغرض.

ونطمح من خلال هذه الجائزة إلى تأصيل ثقافة المعرفة والحوار، وتنمية التفاهم الدولي، وتشجيع عمليات المثاقفة الناضجة بين اللغة العربية وبقية لغات العالم عبر فعاليات الترجمة والتعريب، كما نسعى إلى مكافأة التميز وتشجيع الإبداع وتكريم المترجمين وتقدير دورهم في تمتين أواصر الصداقة والتعاون بين أمم وشعوب العالم، وإشاعة التنوع والتعددية والانفتاح وترسيخ القيم السامية (تأصيل ثقافة – مكافأة التميز).

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"