بقلم : شريف عبد الرحمن سيف النصر الأربعاء 25-11-2015 الساعة 02:19 ص

الدين والدولة في قلب الصراع

شريف عبد الرحمن سيف النصر

استعرضنا في مقالات سابقة كيف أن الجماعات الجهادية أصبحت فاعلاً مؤثرا في منظومة السياسة الإقليمية والدولية، ونحاول في هذا المقام أن نفهم لماذا تعتبر هذه الجماعات "الدولة الحديثة" نقيضا عقائديا لها؟ فبشكل أو بآخر تعتبر "الجماعات الجهادية" أن الدولة في صورتها الحديثة هي النقيض لفكرة الدين، وتستند في ذلك إلى دليل مستمد من الخبرة التاريخية للدول الغربية، وتفصيل ذلك يبدأ من المرحلة التي انفصلت فيها الدولة عن الكنيسة، وورثت الأدوار التي كانت تقوم بها الأخيرة، مدعية مقدرتها على منح مواطنيها خلاصا دنيويا يحققون من خلاله الكمال ويقضون به على الشرور المؤرقة للجنس البشري. فقد افترضت الدولة أنه بإمكانها وضع حد لأنانية الأفراد ورغبتهم المستمرة فى حيازة القوة وحملهم على التعايش والتعاون، وذلك من خلال وضع منظومة من القواعد القانوية المستمدة من فكرة المصلحة لا من القيم المستمدة من فكرة الإيمان.

ومنذ حدوث هذا الانفصال أصبحت الدولة، وليس الدين، بؤرة اهتمام المؤرخين وعلماء الاجتماع والفلسفة. وبعدما كان التاريخ هو تأريخ الدين بكافة تفاصيله، أصبح تأريخا للسياسة. حتى إن كثيرا من فلاسفة الغرب اعتبروا أن مغزى التاريخ يتحقق باكتمال الدولة. فهيجل على سبيل المثال ادعى أن الأفراد لا يمكنهم إدراك ذواتهم ولا تحقيق حريتهم الحقيقية إلا فى إطار الدولة. فوفقا له فإن الظروف اللازمة لتحقيق الحرية والوعي لا تتواجد إلا داخل حدود الدولة القومية. وقد سبق هيجل فوكوياما بالقول بأن هناك نهاية للتاريخ، مع اختلاف أساسي يتمثل فى أنه إذا كانت أمريكا لدى فوكوياما هى الغاية من التطور التاريخي، فإن أوربا (وتحديدا دولة بروسيا) وفقا لهيجل كانت هي الهدف الأقصى من التاريخ. وقد وصل الأمر إلى اعتبار أن الدولة هي التجسيد للذات الإلهية على الأرض، فوفقا لهيجل، أنه إذا كانت قد جرت عادة الناس على التعبير عن الإعجاب بحكمة الله، كما تتجلى في الحيوان والنبات والمخلوقات، فلماذا لا تتجلى تلك الحكمة أيضاً في التاريخ العام وغايته النهائية المتمثلة في الدولة!

وبحلول الدولة محل الكنيسة، صارت محل الهوية والانتماء ومحل القداسة، في الوقت الذي تراجع فيه الدين، وانكمشت قداسته واعتباره في صدور الناس. وقد تطور الأمر حتى وصل إلى قيام فلاسفة النهضة الأوربية باتهام للدين بأنه يعمل على إشاعة جو من الفرقة والانقسام، وأنه إذا كان للدين أن يمارس تأثيرا من أى نوع فيجب أن ينحصر هذا في المجال الشخصي. من ناحية اخرى كان البعض (مثل ميكافيللي) ينقمون على الدين أنه يُعلِي من شأن الرجال المتواضعين، خاملي الذكر، في الوقت الذي تحتاج فيه الحياة إلى رجال العمل والنشاط الفعال. فالحياة وفقا لفلاسفة النهضة تحتاج إلى مباديء الاقتصاد السياسي أكثر مما تحتاج إلى مبادي القيم والأخلاق. وتحتاج إلى منتجات العلم المادي، الذي ترعاه الدولة، أكثر مما تحتاج إلى العلم الديني، الذي ترعاه دور العبادة. وذلك على اعتبار أن منتجات العلم المادي مضمونة، وأثرها في تحسين حياة الناس مؤكد، فيما منتجات العلم الديني محتملة، وأثرها في تحسين حياة الناس نسبي وغير مؤكد.ولهذا حرص فلاسفة التنوير الأوربي على تأكيد دور الدولة في تحرير الفرد من الغيب، وحثه على الاهتمام بتهذيب حياته على الأرض، حيث كان النموذج الذي صيغت الطموحات النهضوية على أساسه هو الامبراطورية الرومانية الوثنية، الأمر الذي أكد انفصال نموذج الدولة الجديدة عن الدين، كما أكد انفصال المصلحة السياسية عن القيم الدينية بكافة أنواعها. ميكافيللية الدولة الحديثة تمثلت أيضا في اعتبار السياسة ضربا من ضروب المؤامرة والخداع والمناورة، مع عدم وجود أى وازع من ضمير، ولا تفكير في الجزاء والعقاب الأخروي، ومن ثم اعتبرت السياسة وما يرتبط بها من تدبير شؤون الدولة أمرا أرضيا محضاً. فالدولة هي مجتمع ينظم حياة الأفراد في استقلال تام عن الدين. هذا التاريخ المتوتر للعلاقة بين الدين والدولة تفترض الجماعات الجهادية المسلحة أنه لا يخص الدولة الغربية فحسب، وإنما تنسحب آثاره لتنطبق على الدولة في عالمنا العربي، وذلك لأن هذه الأنظمة — من وجهة نظرها — لم تُقم مفاصلة واضحة بينها وبين الأنظمة التي استقلت عنها إبان مرحلة التحرر من الهيمنة الاستعمارية الغربية. وإنما ورثت هذه الأنظمة عن المستعمر علمانيته وقوانينه وأنظمته،

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"