بقلم : شريف عبد الرحمن سيف النصر الأربعاء 02-12-2015 الساعة 12:55 ص

عما يفعله الاستبداد بالشعوب

شريف عبد الرحمن سيف النصر

لا شك أن أزمات عديدة تعاني منها «الدولة» في عالمنا العربي، فبشكل أو بآخر لم تعد الدولة هي الفاعل الوحيد، أو حتى الأكثر أهمية أو الأكثر قدرة على توجيه الأحداث، وإنما أصبحت في كثير من السياقات في موقف رد الفعل إزاء عدد من التحديات الخطيرة والوجودية التي لم تعتد مواجهتها من قبل.

ويمكن رد الكثير من هذه التحديات إلى آفة الاستبداد التي تنفرد بها الكثير من أنظمتنا، ففي عالم صار الاستبداد فيه تقريبا من مخلفات الماضي، مازال العقد الاجتماعي بين الأنظمة العربية وبين شعوبها مشوها، إذ تأتي معظم الامتيازات في جانب الأنظمة فيما تقع معظم الواجبات على عاتق الشعوب. وإذا صار التعاقد الاجتماعي محل نظر فإن صيغة المواطنة نفسها تصبح في خطر، فإذا كانت المواطنة تقضي أن تنفرد الدولة بولاء مواطنيها، فإن الجماعات المقهورة يمكنها بطبيعة الحال أن ترد على استبداد الأنظمة الحاكمة بالتوجه بولائها إلى نطاقات أضيق (العائلة القبيلة العشيرة) أو أوسع (العقيدة، الأمة، الأيدولوجيا).

الغريب أن الأنظمة التي صنعت باستبدادها هذه التحديات تطالب مواطنيها بالوقوف إلى جانبها لتجاوزها، ناسية أنها باستبدادها قد أوجدت حالة من الرفض بين المواطنين لأي مبادرة أو دعوة تأتي مصطبغة بالصبغة الرسمية. حتى صارت الشعوب العربية في مجملها تفكر بعقلية آداتية بحتة، بحيث تعطي الأولوية لمصالحها المباشرة ولا تلتفت إلى الخطابات الكبرى التي تصدرها أنظمة الاستبداد كضرورات تبيح لها ارتكاب المحظورات مثل خطابات الأمن القومي والمصلحة القومية.

ما فعلته أنظمة الاستبداد من خلال رغبتها المتصاعدة في الهيمنة المطلقة أنها أفقدت شعوبها خصائصها الحية، وحولتها إلى أدوات للحكم، أو إلى مادة استعمالية، فأجواء المراقبة والتهديد، والقبضة الأمنية الغليظة، واستخدام القانون على نحو انتقائي كل ذلك أفرز مع الوقت حالة من السلبية والانسحاب الجماعي من المجال العام، وعدم الاستعداد للتضحية في سبيل القيم الكبرى، التي تفقد مع الوقت وبفعل الاستبداد مكانتها في نفوس الأفراد. فالمواطن الكومبارس الذي تصنعه أنظمة الاستبداد لا يمكن الرهان عليه لإنقاذ الدولة وقت الخطر، أو التضحية من أجل مبادئ لم يتعلم أن يحترمها أو أن يأخذها في اعتباره. والشعوب المبتلاة بالعقلية الآداتية تجد صعوبة كبيرة في القيام بأي فعل يتضمن بذلا أو تضحية.

فالعقل الآداتي يتساءل عن الكيفية وليس عن الماهية، فما يهم هو كيفية الحصول على منافع المواطنة، وليس الحفاظ على الدولة التي يتوجه إليها بهذه المواطنة.

بعبارة أخرى يربط الاستبداد أنماط التفكير لدى الشعوب المقهورة بمنظومة من الرغبات المادية الموحدة، فلا توجد في إطار العقلية الآداتية معان متجاوزة، أو قيم عليا مجردة، ومن ثم فإن معنى الوطن يمكن أن يختفي من عقل الإنسان المقهور، لتحل محلة مجموعة من المنافع المادية المباشرة التي يسعى للتحصل عليها في حياته، أو تحدث حالة من المرادفة بين الاثنين، فيصير الوطن هو ذلك المجال الذي يمكن التمتع فيه بهذه الخيرات المادية الملموسة، ومن هنا نفهم لماذا تنتشر بين المقهورين من أبناء الشعوب العربية الرغبة الملحة - لدرجة الإشراف على الموت - في الهجرة إلى أوطان أخرى تحترم آدمية الإنسان وتتيح له منافع العيش الكريم.

الأخطر أنه في إطار أنظمة الاستبداد تتساوى الأضداد، ويستوي كل شيء بنقيضه، فالإيجابية تستوي مع السلبية، والوطنية تستوي مع العمالة، والعدو ينزل منزلة الصديق، والصديق يمكن أن يشيطن حتى يصير عدواً، حتى تختلط البوصلة على الجميع، ولا يصبح لأي شيء من قيمة سوى قيمته كأداة لتحقيق مصلحة مباشرة وآنية.

هذه الآفات وغيرها لا يمكن القضاء عليها إلا باستئصال العقلية الآداتية وهذا لا يتحقق إلا من خلال القضاء على الاستبداد، فالمواطن الحر هو القادر على أن يدرك الفارق بين الغاية والوسيلة، وهو الذي يمكنه أن يضحي من أجل وطنه حتى لو لم يستشعر مصلحة مادية من وراء ذلك.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"