بقلم : شريف عبد الرحمن سيف النصر الأربعاء 09-12-2015 الساعة 01:33 ص

الغرب.. ما الذي يستطيعه وما الذي لا يستطيعه؟

شريف عبد الرحمن سيف النصر

في وقت من الأوقات كان الغرب باستطاعته أن يصدّر مشاكله إلى الشرق (كما صدَّرَ المشكلة اليهودية إلى أرض فلسطين)، كما كان باستطاعته أن يوكل من ينوب عنه في حل أزماته (محاربة الشيوعية ومواجهة توسع الاتحاد السوفيتي)، بحيث لا يضطر إلى خوض حروب على أراضيه أو يتورط في صراعات يكشف بها عن أطماعه. تقلصت هذه الرفاهية كثيرا مع تغير طبيعة الأزمات التي يمر بها العالم، فبعد أن كانت مصادر التهديد تنبع من دول وأنظمة تمكن مواجهتها بقوة الجيوش، أصبح التهديد ينبع من جماعات غير نظامية وأفراد ليس لهم تاريخ من العنف، بحيث يمكن تتبعهم ومراقبتهم. وبتغير طبيعة التهديدات لم يعد في مقدور الغرب لا أن يصدر مشاكله، ولا أن يوكل من يحلها بالنيابة عنه. فهذه التهديدات تنبع في قدر كبير منها من أفراد يحملون جنسية دول الغرب نفسها، كما أنها لا تحتمل الوكالة، إما لعجز الوكلاء عن مواجهة هذا النوع من الأزمات، وإما لأن التهديدات هذه المرة تمثل تحديا مباشرا لدول الغرب، بحيث تجد أنه من المحرج لهيبتها أن تنكص عن التعامل المباشر معها.

ولكن في الواقع فإن هناك العديد من القيود على حركة الغرب إزاء التهديدات الحالية. على سبيل المثال لا تستطيع الدول الغربية أن تتبنى خيار العزلة، أو أن تغلق حدودها في وجه الآخرين، كما أنها لا تستطيع أن تعتبر كل أجنبي يقيم على أرضها إرهابيا محتملا، ولا تملك أن تتعقب الجميع أو أن تشتبه في الجميع. من ناحية أخرى لا تستطيع هذه الدول أن تتخلص ممن هم على أراضيها من ذوي الأصول الأجنبية، أو تطلب منهم المغادرة، صحيح أن بعض الدول تنزع جنسيتها عن أصحاب الجنسيات المزدوجة، ولكن من لا يملكون سوى جنسية الغرب يصبحون بقوة القانون مواطنين، لهم "نظريا" كافة الحقوق المتاحة لأقرانهم من الغربيين الخلص.

من ناحية أخرى لا تستطيع الدول الغربية أن تعتمد على حلفائها لشن حروب بالوكالة ضد خصومها (من الجماعات التي تتهمها بدعم الإرهاب)، فالأنظمة الوكيلة لا يمكنها النيابة عن الغرب في هذه المهمة، ذلك أن تطوعها للقيام بهذا الدور يعرضها لاضطرابات داخلية وأعمال عنف قد تحول بينها وبين البقاء في مواقعها، فضلاً عن أن تقوم بدعم أهداف ومصالح حلفائها من الدول الكبرى. وحتى عندما تقرر دول الغرب التدخل بنفسها لمواجهة خصومها تحت يافطة "الحرب على الإرهاب" فإنها لا تستطيع أن تنتصر بأسلوب الهجمات الخاطفة، كما أنها لا تستطيع أن تدخل في إطار صراع مفتوح ضد عدو ليس له كيان واضح. فهذه حرب لا تستطيع أن تضمن النجاح فيها وخاصة في ظل أصداء فشلها الذريع في آخر حربين خاضتهما من نفس النوع (العراق وأفغانستان)، فضلا عن تدخلها غير الناجح في ليبيا.

وإذا كان هذا هو ما لا يستطيعه الغرب فإن هناك من الخطوات ما يستطيع اتخاذها لوضع حد لما يواجه من تحديات، على سبيل المثال يستطيع الغرب أن يكف عن الادعاء بأن ما يلحق به من أزمات سببها ما يستشعره الآخرون من غيره إزاء قيمه وحضارته وليس ما يستشعرونه من غضب إزاء سياساته وأفعاله. كما يستطيع الغرب أن يكف عن إعطاء العالم دروسا في حقوق الإنسان وأن يعطي نفسه مهلة ليراجع الطريقة التي ينتهك بها هذه الحقوق من غير الغربيين، من ناحية أخرى يستطيع الغرب أن يتوقف عن المتاجرة بمآسي مواطنيه (بسبب ما يسميه الهجمات الإرهابية)، وأن يعترف بأنه يتحمل قدرا من هذه المعاناة، وأن ما تقوم به آلياته العسكرية من قصف غير مباشر للمدنيين العرب والمسلمين لا يختلف من حيث النتيجة النهائية أو من حيث التكلفة الأخلاقية عما تقوم به الجماعات المسلحة من استهداف مباشر للمدنيين الغربيين.

من ناحية أخرى فإنه إذا كان الغرب لا يملك (أو لا يريد) أن يتدخل لإزاحة أنظمة الاستبداد التي أسهم على نحو ما في بلوغها سدة الحكم، فإنه على الأقل يستطيع أن يتوقف عن الاستمرار في دعمها فيما تمارسه من قمع لشعوبها، وقبل كل ذلك فإنه يستطيع (على الأقل نظريا) أن يتوقف عن دعم ربيبته إسرائيل وسياساتها العنصرية تجاه الشعب الفلسطيني.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"